رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

إعادة نظر -16- الإنسان والحكمان

إعادة نظر -16-  الإنسان والحكمان

عبد الغني العمري

       نقصد بالحكمين هنا الوجود والعدم اللذين هما للممكن. وبما أن معرفة الإنسان للوجود المشهود تكون عائدة إلى هذين الحكمين من جهة الشاهد والمشهود (الإنسان والعالم)؛ يقول الله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3]؛ فإنها لا تخرج عن حالات أربع:

  1. عدم لعدم؛ وهذه تكون في حال الثبوت العلمي (قبل الظهور).
  2. عدم لوجود (العدم والوجود هنا وجهان للممكن، وليسا مطلقين)؛ وهذه تكون للكافر، الذي لا يرى من وجود العالم إلا الصور العدمية. وهو دركات كثيرة متفاوتة.
  3. وجود لعدم (من الممكن أيضا)؛ وهي للمؤمن، الذي لا يرى من صور العالم إلا الوجود؛ لكن من وراء حجاب. وهو درجات كثيرة متفاوتة.
  4. وجود لوجود؛ وهي للرباني الذي انتفت ظلمته.

       وعلى هذا، فإن الناس لا يكونون في نظرهم إلى الوجود على النظرة نفسها. ومن أراد أن يعرف حقيقة حاله، فلينظر إلى مشهوده من العالم؛ فإن كان لا يشهد إلا العالم بما هو عالم حصرا، فليعلم أنه كافر. وإن كان يشهد العالم ويؤمن من خلفه بالله موجده، فليعلم أنه على إيمان. وليعلم مع هذا، أن الباب مفتوح أمامه للترقي إلى الربانية إن هو وُفّق إلى طريقها. ونعني هنا، أن المؤمن إذا عمل بما شرع الله، على وجه السّنة ظاهرا وباطنا، فإن نوره (وجوده) يزيد ويتقوّى، إلى أن يصل في النهاية -إن أذن الله- إلى التنوّر التام، الذي يجعل حكمه وجودا من غير عدم. وهذا هو ما يجعل العبد ربانيا، يكون الله سمعه وبصره ويده ورجله كما جاء في الحديث.

       ولو عدنا إلى مقولات المؤمنين في الوجود، لوجدناها لا تخلو من حكم العدم الذي يطغى على شهودهم. وإن أغلب العقائد العقلية التي للمؤمنين، والتي يظنون أنهم فيها على شيء، هي من ظلمة العدم. والطاغوت (من الطغيان) الذي ذكره الله في مثل قوله سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، ليس إلا ما يطغى على بصر المشاهِد من ظلمة العالم. وهذا يعني -إن كان الكافر على تمام فيها- أن المؤمن ليس خلوا منها على التمام؛ بل إن أمره فيها نسبي يزيد وينقص. ومن هنا كان الإيمان يزيد وينقص، لا من باب اعتبار الطاعة والمعصية من حيث هما حكمان شرعيان، كما يتوهم القاصرون. والمؤمن على هذا، لا يُعد بالغا لشاطئ الأمان لمجرد إيمانه؛ لأن هذه المرتبة، لا تكون إلا للأولياء، أهل النور التام والوجود. ومع هذا، فلا أحد يأمن على نفسه مكر الله. وهذا سبب من أسباب الخوف الذي لا يتخلى عنه الأكابر من أنبياء وورثة. وهو باب نفيس من أبواب العلم بالله.

       أما ضعاف المؤمنين الذين هم أهل مرتبة الإسلام العامة، فلا بد أن يعلموا أنهم ما زالوا على ظلمة كبيرة؛ لا ينبغي معها، أن يكون لهم رأي في الوجود عموما، وفي الدين على الخصوص؛ لأن أحكامهم إن جاوزوها إلى العمل بما يتبدى لهم، فإنها ستكون خرابا ماديا ومعنويا لما يحيط بهم. وهذا هو الوضع الذي هي الأمة عليه في هذا الزمان؛ خصوصا وأن الفقهاء، يشاركون في عدم علم العامة بهذه التفاصيل، عندما يعرضون الدين مسطحا، لا تمايز فيه ولا تراتب. وهذا العمل منهم، كان ولا يزال من أكبر معاول الهدم للأمة وللدين؛ علم هذا من علمه، وجهله من جهله.

       وقد يكون الوضع أسوأ مما ذكرنا، إذا نظرنا إلى تقليد كثير من أبناء الأمة لأئمة كافرين، في نظرهم إلى الوجود والعالم؛ كما هي الحال عند تقليد بعض الفلاسفة أو علماء النفس أو غيرهم. إن هذا لا يدل إلا على كون المسلمين، يكادون لا يشهدون إلا ما يشهده الكافر من ظلمة. وهذا يعني أن العامة، لم يعودوا يقتدون بأهل النور من أئمة الإسلام؛ وأنهم استعاضوا عنهم بأئمة الفتنة الواقفين على أبواب جهنم، من هؤلاء “الدعاة” الذين لا يصح القول بدعوتهم إلى الله، بالمعنى الشرعي، وإن زعموا العكس.

       وإن من لا يعلم من العالَم إلا الظلمة، لا يمكن البتة أن يدّعي العلم به؛ حتى نقبل منه بعد ذلك تفسيرا لما يحدث فيه الآن أو سيحدث في المستقبل، من مثل ما يفوه به الأيديولوجيون من إسلاميين ومن غيرهم. إن من لا يكون نورانيا، لن يدل الناس إلا على ظلمته التي يأنس لها. ولا تسأل عن المآل دنيا وآخرة، إن كان الداعي والمدعو من أهل الظلمة، بعد ذلك!..

(كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: