رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

الإنسان والزمن: أي علاقة

الإنسان والزمن: أي علاقة

70

3333333

ذ. عبد اللطيف الركيك*  

يستعصي مفهوم الزمن على التعريف، لكن بالمجمل فالزمن أو الوقت هو أحد الأبعاد الفيزيائية الأربعة. وعلى سبيل التبسيط فالزمن هو المدة أو الفترة الزمنية المطلقة التي يمكن قياسها بوحدات القياس الزمنية. ويمكننا أن نقسّم الزمن في علاقته بالإنسان إلى نوعين:

  فهناك زمن عام يرى الإنسان أنه وقت سرمدي أزلي ممتد لا بداية ولا نهاية له. فليس لهذا الكائن تصور واضح المعالم ومحدد بصفة يقينية عن بدايات الزمن الذي تم فيه الخلق الأول للكائنات المختلفة وعاش فيه الإنسان على وجه البسيطة، رغم تقدم العلوم والأبحاث الأثرية والأنطروبولوجية التي تبقى نتائجها نسبية. كما لا توجد لدى الإنسان فكرة متكاملة عن نهاية الزمن ومعه الكون والحياة على وجه الأرض. وذلك بالرغم من تزاحم الأفكار الغيبية والانشغالات والهواجس والتوقعات في عقله حول النهاية المحتملة للزمن الدنيوي، والتي تبقى هولامية غامضة ومبهمة بالرغم من كونها يقينية وحتمية بالنسبة له.

وهناك زمن خاص، هو بالذات ذلك الحيز الزمني المتاح للإنسان في وجوده المادي والرمزي على الأرض، منذ زمن الولادة إلى زمان الموت المادي. ويختلف تقييم الإنسان لهذا الزمن الخاص، لمنه يكاد يكون موحدا من جوانب عدة. فمن أوجه التشابه في التقييم، هو أنه زمن قصير للغاية، ولا يمكن لبشر أن يزعم أنه الزمن الخاص يمكن أن يكفيه لاستنفاذ جميع مبررات وجوده المادي وقضاء وإشباع جميع حاجياته في ذلك الحيز الضيق.

ولذلك يكون النظر لهذا الزمن على أساس أنه ضيق ويمر بسرعة البرق رغم ثباته وعدم تغيره في الواقع، وبالتالي فهو زمن منفلت غالبا ما تمر سنواته في غفلة من الإنسان. ومع هذا الاتفاق المجمل في النظر للوقت من طرف الكائن البشري، فإن الإنسان مذاهب لجهة وتيرة الزمن الخاص، ففريق يحياه كما هو ويستمتع به ولا يأبه كثيرا بنهايته المحتملة التي تتبدى بالنسبة له كأمر حتمي يقيني طالما أنه لا يوجد سبيل لتغييره. ولذلك تتوفر لديه القناعة بصيرورته ومنعطفاته من الطفولة والفتوة والشباب إلى الكهولة والشيخوخة التي تنبؤ بدنو النهاية الحتمية للزمن الخاص. وبذلك تنتصب وتيرة الزمن كأمر عادي وطبيعي ومنطقي.

وهناك فريق ثان يرى في الزمن الخاص زمنا قصيرا ضيقا يمر بسرعة غير اعتيادية، ويتعامل مع الزمن الخاص باستعجال وتسابق مع سنواته، فيتوهم بأن بإمكانه وقف صيرورته أو حتى تمطيطه، وذلك من منطلق عدم تقبّله بأن تأتي عليه طاحونة الزمن دون أن تسعفه الحياة لاستنفاذ أغراضه من الوجود المادي على البسيطة، فهو يرفض مثلا بأن تمر فترة الشباب كمجرد سحاية عابرة وبسرعة قياسية نحو ضعف الكهولة والشيخوخة، ويتمنى لو أن الزمن الخاص توقف حتى تظل النهاية الحتمية مؤجلة ولو إلى حين.

إذن يتوهم بعض الناس أو يتمنون تمديد الزمن الخاص حتى يكون بمقدورهم استهلاك أكبر حيز من الوقت، حتى أن فكرة قديمة قدم التاريخ قد استقرت في الأذهان بهذا الشأن، وهي فكرة الخلود الدنيوي الممتد الذي لا نهاية له على الرغم من يقين الإنسان بمرور العصور باستحالة تحقق ذلك.

وحيث أن ما هو أكيد، هو أن لكل بداية نهاية حتمية، فإن الإنسان يتطلع دوما-وهو في الزمن الدنيوي الخاص-إلى زمن آخر، هو زمن ما بعد الموت المادي، أي الزمن الأخروي باعتباره الزمن السرمدي الأزلي. ولعل هذا التطلع اليقيني هو ما يجعل الإنسان يقتنع في نهاية الأمر بأنه لا ضير من ضيق الزمن الدنيوي الخاص طالما أن هنالك زمن آخر مختلف ولا يخضع للمقاييس الدنيوية.

*كاتب وأستاذ باحث

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: