رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

الممارسة الديداكتيكية ودور المدرّس

الممارسة الديداكتيكية ودور المدرّس

rkik_776007539

بقلم: د. عبد اللطيف الركيك

ينتصب المدرّس في محور العملية التعليمية التعلمية باعتباره قائدا وموجّها ومسيرا لجماعة القسم، ومدبّرا وبانيا للتعلمات، ومُنشّطا للجماعة الفصلية. وعلى ضوء ذلك، يفترض أن تتوفر فيه جملة شروط ومهارات تربوية ومعرفية وتواصلية وثقافية ونفسية…

بيد أن تبني مدخل الكفايات في المنظومة التعليمية ببلادنا غيّر إلى حد بعيد من تمركز العملية التعليمية التعلمية حول شخص المدرس، بحيث لم يعد المدرس يتموقع لوحده في قلب العملية التعليمية التعلمية. كما أن كون المدرس هو قطب العمل الديداكتيكي كما كان في بيداغوجيا الأهداف كان يُلقي على كاهله كل ثقل الأنشطة الصفية بما يجعل كل الضغوط المرتبطة بها موجهة نحوه.

غير أن تفعيل وأجراة مدخل الكفايات حمل معه تغييرات جوهرية على مستوى دور المدرس من منطلق إدراك واضعي المناهج بأن تحميل المدرس جميع المسؤوليات المرتبطة بعميلة التدريس أمر غير مجد من الناحية التربوية، لأن فيه إقصاء لطرف آخر من أطراف العملية التعليمية التعلمية، وهو المتعلم. هذا فضلا عن كونه يرهق المدرس، ويفضي في المحصلة إلى الفشل، مادام أن المدرس يكون-في هذه الحالة- هو الوحيد المعني بإنجاح عمليات التعليم والتعلم.

وبناء على ذلك، فإن التفعيل الأمثل من جانب المدرس لمدخل الكفايات يشترط الوعي بضرورة تقاسم الأدوار مع المتعلمين، وبالتالي إلقاء نصيب من أعباء الأنشطة البنائية على المتعلمين على مستوى العمل والبناء والإنتاج بما يجعلهم مشاركين وفاعلين في بناء التعلمات بدل التلقي الرتيب والممل كما كان الأمر في الطريقة الإلقائية.

إن الممارسة الديداكتيكية وفق منهج الكفايات لم تقلّص في واقع الأمر من دور المدرس بقدرما عملت على توزيع الأدوار والمهام بين المدرس ومتعلميه بما يخفف من مركزية المدرس وما يستتبعها من إرهاق وتعب، وبالتالي تراجع في مردوديته من ناحية، وفي جودة مخرجات عمليات التعليم والتعليم من ناحية أخرى. إن الاتجاه الذي كرسه مدخل الكفايات هو الميل نحو جعل العملية التعليمية التعلمية تتمركز حول المتعلم بشكل غيّر من أدوار المدرس إلى التنشيط والمساعدة والتوجيه لدفع المتعلمين نحو الإنجاز والانتاج بمفردهم.

 لقد بات التوجه اليوم منصبّا نجو جعل المدرس متدخلا ومنسقا ومؤطرا لعمل المتعلم أكثر منه مصدرا للمعرفة الجاهزة. ولعل هذا الاتجاه يقلص إلى حد بعيد من مجهودات المدرس ويلقي على كاهل المتعلم مسؤوليات في عملية التعلم. فكلما استشعر المتعلم بأنه مشارك وبان ومنتج، كلما كان معنيا أكثر، وكلما تعاطى بشكل إيجابي مع صيرورة عمليات البناء الديداكتيكي، وكلما انخرط طوعيا في عمليات التعلم الذاتي بدل الاستهلاك والاتكالية وانتظار المعرفة الجاهزة، واستشعر بأنه مسؤول عن إنجاح عمليات التعليم والتعلم ومعنيا بتوفير الجو المناسب لها.

   إن تقاسم المسؤوليات بهذا الشكل مع العمل رويدا رويدا على جعل المتعلم قطب الرحى في العملية برمتها له مزايا عديدة، فهو من جهة يخفف العبء على المدرس، ومن ناحية أخرى يجعل المتعلم واعيا بأن عملية التعليم والتعلم ليست شأنا يخص المدرس لوحده، وبأن عليه الاضطلاع بأدواره باعتباره مسؤولا ومشاركا وبانيا، مع ما يترتب عن ذلك كله من جعل المتعلم معنيا بالدرجة الأولى بتوفير الأجواء المناسبة للتحصيل مما يُسهم في تحسين الجوانب الانضباطية والسلوكية ويقوّي الدافعية والرغبة لدى المتعلم.

   إن اعتقاد المدرس بأنه هو المعني بعمليات التعليم وأنه هو مركز كل الأنشطة الصفية باعتباره منتجا للمعرفة، وأنه هو المعني الوحيد بنجاحها أو فشلها، هو اعتقاد خاطئ يُجافي الاختيارات الكبرى للإصلاحات التي عرفتها منظومتنا التعليمية. كما أن إصرار المدرس على السير على هذا المنوال هو مكلّف نفسيا وغير مجدي تربويا. وعلى خلاف ذلك، فإنه كلما تم توجيه “الضغط” الإيجابي نحو المتعلم وإشعاره بمسؤولياته كلما كانت العملية مفيدة ومثمرة للمدرس والمتعلم على حد سواء.

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: