أكاديمية فاس مكناس تتخذ الإجراءات الضرورية لإنجاح الدخول المدرسي 2017 – 2018 || ست نقابات تعليمية تندد باستهداف الأساتذة المتعاقدين بإنزكان أيت ملول || معطيات الدخول المدرسي برسم الموسم 2018-2017 بجهة فاس – مكناس || عاجل: المحكمة الدستورية تلغي مقعدا برلمانيا بإنزكان أيت ملول || تحية العلم بالنشيد الوطني || الجير و الجبص و أراضي السلاليين لحل أزمات منكوبي حريق سوق المتلاشيات بتارودانت || وفاة فنان مشهور أثناء أدائه لمناسك الحج بالمملكة العربية السعودية || هام للمغاربة: مكتب السلامة الصحية هذه حقيقة اخضرار لون لحوم العيد الكبير وتعفنها || الرواية العربية والخيال العلمي(ج3) || بالصور.. شريف قاسم يحيي حفلات العيد بالمغرب || *تنغير: تجار ومهنيون يشتكون فوضى الباعة المتجولين بالشوارع والساحات * || مدير الأكاديمية والمدير الجهوي لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بجهة فاس مكناسيوقعان على اتفاقية الشروع في تسليم العتاد المدرسي المصنع بالجهة الخميس 31 غشت2017 || مدير الأكاديمية يتفقد ورشا لتأهيل وإصلاح عتاد مدرسي بمكتب التكوين المهني بفاس || مجموعة ملال : تطرح مقاطع ألبومها الجديد “تافسوت” || بلاغ: مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية يدين المجلة الفرنسية الأسبوعية “جون أفريك” || بلاغ صحفي حول مهرجان انزكان للفنون الشعبية || الرواية العربية والخيال العلمي (ج2) || قبةُ راحيل قدسيةُ المقامِ وعدوانيةُ الاحتلالِ/مصطفى يوسف اللداوي || دورة تكوينية لفائدة فريق التأطير الجهوي للأستاذات والأساتذة المصاحبين بالأسلاك التعليمية الثلاثة || أكاديمية جهة فاس- مكناس تعقد سلسلة لقاءات لتنظيم تكوين الأساتذة الموظفين بموجب عقود خلال الموسم الدراسي 2016/2017. ||

آخر المستجدات

رياضة

  • تابعونا على الفيس بوك

    آراء ومواقف

  • مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -22- اقتصاد هو لا اقتصاد

    عبد الغني العمري

           الاقتصاد في اللغة: من اِقْتَصَدَ؛ الذي هو مزيد، من قَصَدَ قَصْداً؛ والذي هو التوسط والاعتدال. وفي الاصطلاح هو حركة المال داخل المجتمع، بين أطراف الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والخدمات. وإذا أردنا أن نعرف مكانته بالمضاهاة لجسم الإنسان، كما فعلنا سابقا مع القضاء وجهاز الأمن، فإننا سنجده الجهاز الدموي؛ حيث يوصل الدمُ الغذاء الذي يتناوله الإنسان (الموارد)؛ عن طريق عمل القلب (الموزع)، عبر شبكة الأوعية الدموية (الجهات الخدمية)؛ إلى الأنسجة والخلايا (المستهلك).

           من هذه المضاهاة، يظهر أن الاقتصاد السليم، لا بد أن يصيب نفعه كل أفراد المجتمع، وصولا إلى القرى النائية، التي ينبغي أن لا تفتقر إلى شيء من الضرورات. فإن حدث وافتقرت، فإن ذلك يدل على سوء توزيع، لا ريب فيه. ولقد كانت مهمة يوسف عليه السلام، في الدولة المصرية القديمة، هي الأخذ من منتوج سنوات الخصب، لسنوات الجدب؛ فكان بهذا، مقتصد الأنبياء عليهم السلام أجمعين. وقد حرص -عليه السلام- بعد توفير المحصول، على حسن التوزيع، الذي كان يُشرف عليه بنفسه. وهكذا، أنقذ يوسف عليه السلام المملكة المصرية، وأنقذ البلاد المجاورة، التي كانت من بينها بلاد كنعان (اليوم: فلسطين ولبنان، والأجزاء الغربية من سوريا والأردن)، حيث والده يعقوب عليه السلام وإخوته. ومن ينظر إلى حال المغاربة، فإنه سيجد الفقر عند أهل البادية، يقارب نسبة 80 في المائة من السكان. وهذا لا يعني أن سكان المدن كلهم بحال أفضل؛ بل إن الهوة بين الأغنياء والفقراء هناك، أشد اتساعا وأكثر عمقا. هذا، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ؛ وَلَنْ تُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إِذَا جَاعُوا وَعَرُوا إِلا بِمَا يُضَيِّعُ (يَصْنَعُ) أَغْنِيَاؤُهُمْ. أَلا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.»[1] وإن ما وصلت إليه الحال في بلادنا، لهو دليل على الانحراف الشديد، الذي سيودي بحياة جسم الدولة، إن لم يُتدارك بالعلاج، قبل فوات الأوان.

           إذا نظرنا إلى اقتصاد المغرب، فإننا لن نجده ضمن الأنواع الاقتصادية المعروفة في علم الاقتصاد؛ وإن كان أقرب إلى الاقتصاد المندمج، الذي هو في الحقيقة اقتصاد فوضوي مهيمِن، يكون سمة من سمات الحكم الاستبدادي المتوحش. وهذا الذي نقوله، مشترك بين الدول العربية كلها، على اختلاف طفيف فيما بينها، يتعلق بمدى الشدة في الهيمنة، ومدى تضرر الفرد. فالفرد في الدول الغنية -مثلا- لا يشعر كثيرا بأضرار الاقتصاد الفوضوي، كما يجدها الفرد في البلدان الفقيرة أو متوسطة الحال.

           وإن أفضل تعبير علمتُه من المغاربة، عن اقتصادنا، هو “المخزن الاقتصادي”. فإن كان المخزن السياسي، قد عُلمت مكانته -من الفصول السابقة- مما تناولناه من مختلف الجوانب السياسية؛ فإن المخزن الاقتصادي، هو محور ذلك المخزن وقلبه. وهذا، لأن العقول المخزنية، لا تتجاوز المستوى المتوسط من العقول. وحتى يعلم القارئ ما نريد، فليعلم أن العقول -باختصار- أربعة أنواع:

    1. العقول الكاملة: وهذه لا سلطان لشيء عليها، من جاه ولا مال؛ فهي حرة بالمعنى التام الصحيح.
    2. العقول الراجحة: وهذه ترى الفضل للجاه على المال؛ وتبذل المال لنيل الجاه. وهي في الأصل طبقة عقلاء الحكام مِن ملوك ورؤساء، ومَن يرجع إليهم الأمر في مختلف المجالات التخصصية.
    3. العقول المتوسطة: وهذه ترى الفضل للمال، وتظن أنه الغاية؛ فهي تبذل الجاه لنيل المال. وأغلب عقول من يلي المناصب منا، من هذا الصنف.
    4. العقول الضعيفة: وهي العقول التي لا تهتم إلا لمعاشها، من دون قصد لمال ولا جاه. وهذه أفضل حالا في المآل، من العقول المتوسطة والراجحة؛ إن استقام أصحابها على الدين. وهذا داخل في معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْه.»[2].

           ومن محورية المال، لدى المخزن السياسي، وقع الخلط بين “الحكم” و”الاقتصاد”، وتشابكت الوظيفتان في كل مستوياتهما. وهذا هو السبب الذي يجعل كثيرا من صغار الموظفين (الذين هم في أسفل سلم الحكم) مرتشين ومختلسين، من غير خوف محاسبة. وكلما علت الرتبة، زاد الانخراط في منظومة النهب؛ إلى الحد الذي يخرج فيه الواحد منهم، عن سلطة القانون على التمام؛ بل إن أجهزة الدولة -ومنها القضاء- تصير خادمة له إذ ذاك.

           والمخزن السياسي، يفتح لمنخرطيه أبواب التريّع (من الريع) مباشرة، بعد ولوج أسلاكه. وهذا هو ما يجعل أصحاب المناصب العليا في جميع الإدارات، من المليارديرات عندنا. وكلما علا المنصب، صار الانخراط في الفساد المالي أمرا محتوما، لا يتمكن الموظف من الاستقلال عنه. بل إن المتنفعين، يُلزمون من يتنزه عن أكل المال الحرام منهم، بأخذ نصيبه رغما عنه؛ حتى يأمنوا على أنفسهم من انقلابه عليهم. وهكذا يصبح “التوريط” منهجية مخزنية، لا تتخلف. ومن يتتبع أحوال الوزراء، وكبار الموظفين -كأولئك الذين قامت عليهم الصحافة في المدة الأخيرة، بسبب ما سُمي “امتيازات خدام الدولة”- فإنه سيرى ذلك عيانا؛ لا فرق فيه بين إسلامي وغير إسلامي. ولهذا السبب، كان نظام حكمنا يُدنِّس كل من خالطه؛ بخلاف الأنظمة الديمقراطية الآن، التي تجد الوزير -مثلا- فيها، يغادر منصبه مرفوع الرأس. وتجد أحدهم يُحاكَم على شقة، أو هدية، تحوم حولها شبهة، أو لا يستطيع أن يُثبت لها أصلا. وهذا الوضع لا يُقارن بما نحن عليه؛ لأن جرائم المال في إداراتنا، لا تُحدّ ولا تُعدّ. ولو فرضنا أن مسؤولينا يُحاكمون تحت نظامٍ قانوني سليم، فإن أقلهم جُرما سيُحكم عليه بالسجن المؤبد (كما هو الشأن في القانون الوضعي اليوم).

           إن المغرب متنوع الموارد، ومع ذلك، فإن الشعب لا يصله من خيرات بلاده، إلا النزر اليسير. نحن لا ندعو إلى ما يشبه الريع، وإنما كان من الممكن، لو أن الحال غير الحال، أن يُوفّر الشغل لشطر كبير من العاطلين، بطرق مختلفة؛ جلّها محلي، يقوم على الصناعات الفلاحية، في محلها؛ وعلى الصناعات البحرية في محلها؛ وعلى التعدين في محله…؛ بدل أن يبقى الشعب وكأنه في حالة انتظار لا تنتهي، لإذن ما، يسمح له بالاستفادة من خيرات بلاده. وهكذا، صار الناس أجانب في بلادهم، يتسوّلون ما هو من حقهم!..

           نحن لسنا من أهل الدنيا، ولا ننافس عليها أهلها بحمد الله؛ ولكن الحال التي نرى عليها أبناء شعبنا، من انسداد الأبواب أمامهم، لا يُمكن أن نسكت عليها. إن المخزن الاقتصادي عندنا، لم يعد طفيليا يمتص الدم من عروقنا فحسب؛ وإنما صار وحشا، يبغي الإجهاز علينا. فأول من سيكون ضحيته، الدولة نفسها، التي غابت معالمها في ملامح وجهه البشعة.

           أعرف شخصا، كان شابا طموحا، درس بعض علوم الإدارة، وأراد إنشاء مصنع صغير، يوظف فيه بعض أفراد أسرته، بالإضافة إلى بضع عشرات من السكان. وقام بدراسة للمشروع، ووفر له التخصصات، وبدأ باستقدام الآلات الأولى، في انتظار أن يوافق البنك على إقراضه المبلغ الضروري للإنفاذ التام. فإذا بأحد رجال السلطة -وكان متقاعدا حينها- يتصل به، ويشترط عليه، من أجل الموافقة على المشروع، أن يدخل معه شريكا بنسبة 50 بالمائة. فأُقبر المشروع، لما رُفض الاقتراح، وظل الجميع بلا شغل إلى الآن…

           كنت قد سمعت قبل ذلك بنسبة الـ “50 بالمائة” وأحيانا “51 بالمائة”، في مستويات عليا عندنا؛ وسمعت بها أيضا، في بلدان عربية زرتها؛ ولكنها كانت المرة الأولى، التي أعلم بها في المستويات الصغرى. فعلمت أن دولنا من جهة الاقتصاد ليست دولا، وإنما هي عصابات أكبر وأخطر من المافيات المعروفة عالميا. ذلك لأن المافيات، حيثما وجدت، فهي توجد إلى جانب هياكل الدولة، التي -في أشد الحالات- تخترقها فحسب؛ وأما نحن فإن العصابات لدينا، صارت هي الدولة نفسها. وكل ما يُسلَّط الضوء عليه، من جرائم المال، بين الحين والآخر، للدلالة على أن الأمر بخلاف ما هو عليه، فإنما هو للتعمية والتورية فحسب.

           والنظام الاقتصادي للدولة (أي دولة)، ليس نظاما مستقلا، إلا فيما يدخل في الجزئيات التي يُدار بها الاقتصاد الوطني. نعني أن الاقتصاد الوطني هو كلي بالنظر إلى هيئاته المالية وشركاته؛ لكنه جزئي بالنظر إلى الاقتصاد العالمي. وهذا الارتباط العضوي، بين الاقتصادين: الوطني والعالمي، لم يعد في مقدور أي دولة الإفلات منه بالكلية. وقد تم هذا الترابط منذ هيمن الدجاليون على الاقتصاد العالمي، عندما أدركوا أن نظامهم السياسي (بجميع المعاني)، لن يقوم إلا بمحور مالي قوي، دخلوا في مرحلة إنجازه، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تم لهم الربط على الكمال، عندما جعلوا الدولار عملة عالمية، لا تستقل عنها كل عملات الأرض. والتفصيل في توضيح هذا الأمر يطول…

           وإن أهم ما يقوم عليه الاقتصاد الدجالي، الربا؛ ولذلك تجد البنك الدولي يسارع في إقراض الدول ما تشاء، بربا غير منقطع، ودائم التسلسل. وهكذا تصبح كل الدول تابعة للنظام الدجالي، متحكّما في سياساتها الداخلية، بكيفية لا قدرة لها على ردها، إلى أن يأتي اليوم الذي تُعلَن فيه مستعمراتٍ للعبيد. ولا ينفع في هذا، أن تقوم أبناك إسلامية، تزعم أنها تعمل داخل إطار الشريعة؛ فإنه حتى لو صح ذلك، فسيبقى مردودها عائدا على مجموعة أفراد، لا بد أن تلحق دائرتهم شبه المستقلة بالنظام المالي العام، محليا وعالميا.

           وأما النظام الاقتصادي الإسلامي، فإنه أكمل الأنظمة، وأجدرها بتسمية الاقتصاد (التوسط)، من كونه لا يسمح بحرمان الفقراء من أموال الأغنياء، وإن كانت نتيجة جهدهم وعملهم (غياب المنطق الأناني البشري، وحلول المنطق الإلهي). وما الزكاة التي أوجبها الله على الأغنياء، وأعطاها للفقراء، إلا تحقيق للتوازن المطلوب من أدنى سبله. وقد قال الله تعالى في هذا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، وقال سبحانه عن أغنياء المسلمين: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]. وأما الربا، الذي هو أساس كل اغتناء فاحش، فقد قال الله عنه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. وتشبيه المرابين بالممسوسين، هو للدلالة على انهيار كل نظام اقتصادي قائم على الربا، ولا بد. وهو دليل على أن تزايد الربا غير المتناهي، عملية جنونية تصاعدية السرعة والنتائج، إلى الحد الذي يكون الانهيار معه حتميا. وكل نظام مهما بدا أنه متماسك، وأن له عوائد على فئة مخصوصة، وكانت نهايته نظريا وعمليا الانهيار، فإنه نظام فاسد، لا يصلح أن يكون مرتكزا لسياسات الدول، فضلا عن العالم.

           بقي أن نتكلم في هذه العُجالة عن أثر الكلام في الاقتصاد على الإيمان والاعتقاد. وذلك لأن كثيرا من المسلمين، صاروا يحنقون على حكامهم، بسبب الظلم في مجال توزيع الثروات، ظنا منهم أن الأمر كان يُمكن أن يكون غير ذلك. نعني أنهم يظنون (الإسلاميون على الخصوص) أن أحوالهم المادية، كان يُمكن أن تتغير، لو أن النظام السياسي، كان غير ما هو عليه. والحقيقة أن الكلام في جانب “الأمر”، الذي هو نظير التنظير عند أهل الفكر، قد يُخالف على التمام جانب “الإرادة”. نعني من هذا، أن الواقع يتبع الإرادة لا الأمر. والجهل بهذه المسألة، يجعل المسلم يصارع القدر، وربما خرج به ذلك إلى الاعتراض وعدم قبول الحكم الإلهي. وهذا يعني، أن الله قد قسم بين الناس أرزاقهم، ولا أحد يمكنه زيادة رزقه، ولا إنقاصه. وحتى يُدرك العبد هذا، فعليه أن ينظر إلى النتيجة النهائية، دون اعتبار الأمر (إن كان لا يعنيه مباشرة). وعلى هذا، فمن كان فقيرا، فلا يمكن أن يكون غير ذلك؛ ومن كان غنيا، فكذلك. ومن كُتب عليه تغير الحال من الغنى إلى الفقر أو العكس، فهو في العلم، كما هو، من غير أدنى فرق. فعلى المرء أن يرضى بحاله، وأن يسعى إلى كسب قوته بما يرضي ربه، ولا يهتم لما يفعله الظالمون.

           وحتى يتضح الأمر أكثر، فلنفترض رجلا عنده مال قدره ألف درهم. ترك في بيته خمسمائة، وخرج بخمسمائة يريد السوق. وفي الطريق، اعترضه لص أخذ الخمسمائة درهم منه، من غير أن يشعر هو بذلك. فمن جهة الأمر: اللص مجرم معتد، إن قُبض عليه (كأن يراه شرطي-مثلا- أثناء فعلته) وقُدّم إلى القضاء الشرعي، تُقطع يده حدا، ويُرجع المال إلى صاحبه. وإن لم يُقبض عليه، باء بوزر سوء عمله، وأُجر صاحب المال في مصيبته، إن احتسب ورضي بقضاء ربه. وأما من جهة الإرادة: فإن رزق الرجل كان خمسمائة درهم وإن كسب ألفا. فسُلّط عليه اللص ليوافق المبلغ ما في العلم، فحسب. ورِزق اللص كان خمسمائة، إن لم يسرق غيرها في يومه؛ لكنه حرام، يعاقب عليه في الدنيا أو في الآخرة. وهكذا يكون توزيع الأرزاق بين العباد، أمرا لا تُعتبر فيه حِلّيّة المال أو حِرمته.

           إن الناس يغلطون، عندما يظنون أن أمر الدين منحصر في الأحكام الفقهية وحدها؛ بينما هو منوط بباطن الأحكام إلى جانب ظاهرها. وكل من ليس له إلمام بالوجهين، فعليه أن يصمت ليضمن سلامته. ولو علم الناس كم من المعاطب يرِدونها -لا لأنهم ارتكبوا إثما، وإنما لأنهم أساؤوا الحكم في مسألة ما فحسب- لأعادوا النظر في جميع أمورهم، ولآثروا أن يكونوا مظلومين، على أن يكونوا من الظالمين المحسودين؛ عن علم وبصيرة، لا عن إيمان واعتقاد وحدهما.

      

            

    (يُتبع…)

    [1] . أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن علي عليه السلام.

    [2] . أخرجه البزار في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه القرطبي في التذكرة.

     

     


    جميع المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أية مسؤولية أدبية أو أخلاقية أو قانونية

    الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

    تعليقات الزوّار 0

    أضف تعليقك

    من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.


    This site is protected by wp-copyrightpro.com