رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -9-

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -9-

عبد الغني العمري

       إن الحكومات المغربية، التي توالت على تدبير الشأن العام في البلاد، منذ الاستقلال وإلى الآن، والتي وصل عددها الثلاثين أو ينيف، لم تكن يوما تمثل الشعب في توجهاتها واختياراتها؛ بل كانت في الحقيقة استمرارا للنهج الاستعماري، في معاملة الشعب، الذي ظل يُنظر إليه دائما، كأنه خصم (إن لم نقل عدوا) لا يمكن الوثوق به، ولا التوافق معه على شيء. وهذا غلط قاتل!..

       إن الحكومات المغربية الأولى التي خلفت حكومة المستعمر، لم تغير شيئا من طريقة عملها، وظنت أنها باستبدال المغاربة بالفرنسيين، ستكون قد حققت المراد مع ذلك. ولعل انشغال القلوب بتحصيل الاستقلال، قد أنسى الناس ما يأتي بعده. فلم تكن الحركة الوطنية تعدّ نفسها لاستلام الحكم، بقدر ما جعلت جهدها منصبا على طرد المستعمر؛ وكأنها كانت لا تتوقع أن يُنال الاستقلال بتلك السرعة. وربما قد فطنت فرنسا لهذا الأمر، فعجلت بالخروج من البلاد، لتتركها في فوضى، تسهل من سقوطها في يد مُواليها وأذنابها، من العسكريين والمدنيين جميعا.

       واستمرار الحكومات، في معاملة الشعب بمنطق السلطة، وبمنطق سوء الظن، اللذيْن يدل عليهما، عدم طروء أي تغيير في أجهزة وزارة الداخلية والأمن على الخصوص، وتؤكدهما مواصلة التجسس عليه، عبر شبكة أعوان السلطة والمخبرين، لم يكن ليجعل الشعب يشعر أنه في بلده وتحت حكم بني وطنه. وتبعا لهذا الوضع الشاذ، نشأت هوة بين عموم الشعب وبين نظام الحكم، لم تزدد مع الأيام إلا اتساعا.

       أول ما كان ينبغي لحكومة وطنية أن تعمل عليه، هو إبراز معالم الشخصية الوطنية المغربية، ليعود إلى الشعب انسجامه مع أصله وتاريخه؛ حتى يتمكن من تحديد مساره المستقبلي؛ وهو ما لم يحدث. فبقي الشعب موزعا بين عدة توجهات أيديولوجية وسياسية، بدأت بالانقسام الذي كان يُعرف عقيب الاستقلال بين التوجه الرأسمالي والتوجه الاشتراكي، والذي لم يكن فيه المغرب محصنا من انعكاسات الصراع الأيديولوجي العالمي وقتئذ؛ إلى أن انتهى الأمر في زماننا إلى شبه انمحاء للهوية الوطنية أمام رياح العولمة العاتية.

       كان ينبغي أيضا أن تعتني الحكومات الأولى، بترسيخ الانتماء إلى الدين الإسلامي وإلى العروبة، ثم تعلي من شأن الخصوصيات المغربية المحلية بعد ذلك. فوقع عكس ما هو مطلوب: تمّ التمكين للغة المستعمر، إلى الحد الذي جعل العربية ثانية في بلدها. وقد كنا أسوأ في هذا المضمار، من إخواننا المشارقة، الذين أبقوا على مكانة العربية، رغم المزاحمة، رسميا على الأقل. واستمر انتماؤنا لفرنسا، بأكثر من انتمائنا إلى محيطنا العربي، وإن كانت لهذا التباعد العربي أسبابه الموضوعية، التي ليس هذا محل الخوض فيها. وأما الدين، فقد كان في السنوات الأولى للاستقلال في أضعف صوره، بسبب الأيديولوجيا الوطنية، التي طغت، وأضحت كأنها دين ثان. كل هذا، جعل الشعب ضعيفا، ضعفا زاد على ضعف تصور النظام لدى الطبقة السياسية، كما أوضحنا ذلك في فصول سابقة.

       ورغم أن الملك الحسن الثاني، كان يحرص على التأكيد على الهوية المغربية، في مظهره وفي كلامه، إلا أنه لم يكن يخفى على أحد طغيان الثقافة الفرنسية عليه. وهذا لم يكن حاله وحده؛ بل كان حال النخبة السياسية أسوأ من ذلك بكثير. وبفعل هذا الانهزام الحضاري، نشأ الجيل الذي بعد الاستقلال، ذا توجه أوروبي، لا يكاد يُبقي على صلة بحضارته الأصلية. وشاء الله أن أكون واحدا من ذلك الجيل، الذي كان يعيش ويفكر (بنسبة 80% على الأقل) كما يعيش ويفكر الأوروبي في بلده.

       كان يجدر بحكوماتنا، من جهة الحقوق، أن تُعامل شعبها، كما كانت الحكومة الفرنسية تعامل شعبها في بلده، على الأقل؛ لا أن تستمر في قمعه، وكأنها استعمار جديد، أسوأ وأقسى من الاستعمار الأول. إن ما حدث في ستينيات القرن الماضي والسبعينيات، من انتهاك لحرمة الإنسان، ما كان ليحدث، لو أن الحُكم والنخبة السياسية، كانا على وفاق فيما يتعلق بالهوية الوطنية. ورغم كل شيء، فإننا نؤكد هنا على أن الحسن الثاني رحمه الله، كان على وعي كبير -أكثر بكثير من النخبة- بما ينبغي أن نكون عليه. فكان مضطرا إلى أن يكون قاسيا، حتى لا ننجرف إلى ما لم يكن خليقا بنا الوقوع فيه. ومن أراد أن يتبيّن ما نقول، فليعد إلى ما حل بجيراننا، بسبب اختياراتهم، التي كانت في نظر كثيرين من نخبتنا وقتها صائبة. ورغم المسحة الفرنسية الغالبة على ثقافة الحسن الثاني، إلا أنه كان أقرب الجميع، إلى تجسيد الشخصية المغربية (كما ينبغي أن تكون). وقد كان هذا الجانب فيه ثريا، رغم الفجوة التي نشأت وجدانيا بينه وبين عموم الشعب، بسبب الممارسات التي كانت لأجهزة الأمن والداخلية.

       إن ذكاء الحسن الثاني ووعيه التاريخي الاستثنائي، لم يكن ليغيب عنهما، أن ما يلاقيه شعبه من هوان، لا بد أن يُفضي يوما ما، إلى ما لا تُحمد عقباه. وهذا يجعلنا نتساءل عن السبب الحقيقي، الذي جعله يستمر في انتهاج سياسة القمع. وهل ذلك كان منه بصفة شخصية، أم كان من بعض النافذين (كأوفقير)، الذين يريدون أن يعزلوا الملك والحكم من ورائه، عن حاضنته الشعبية الضرورية لبقائه؟.. لم يكن الحسن الثاني (بعكس محمد السادس) يخفي تعاليه عن الشعب، وكأنه -أحيانا- ليس منه حقيقة. لعله لم يكن في حقيقته متعاليا، وكان يريد أن تكون له هيبة، يحتمي بها من أطماع الطامعين!.. ولكن كان لذلك، على كل حال، الأثر السيء على نظرة الشعب إليه، إلى الحد الذي كان في -وقت من الأوقات- انتقاده يُعدّ دليلا على علو المستوى الإدراكي لأي شخص. وهو أمر استثمره “المخزن” في عزل الملك عن شعبه، ليتسنى له فعل ما يعنّ له، من نهب وغصب؛ وكأن البلاد لا قانون فيها ولا حكم. وهذا الواقع، لا يزال مستمرا إلى الآن، رغم ما يطبع شخصية محمد السادس من تواضع ولين وطيبة لا تخفى.

       إن الدولة القوية، التي يُمكن أن تُعدّ كذلك، ضمن المجتمع الدولي، لا بد أن يكون نظام الحكم فيها منبثقا عن إرادة شعبية، تستند إلى وعي بالذات وانسجام مع التاريخ. والمصالحة بين نظام الحكم في المغرب والشعب، لا بد أن تتم بإقرار من الطرفين، بموقع ووظيفة كل طرف على حدة؛ حتى تنتفي المزاحمة من الجانبين، والتي هي ناتجة عن توهم التجاوز من قِبل الطرف الآخر، في نظر الطرفين معا. عندما يكون نظام الحكم شعبيا، يَستحسِن أن يكون شعبه قويا؛ والعكس صحيح؛ لأن القوة واحدة حينها، تتغيى قوة البلاد (الوطن). هذه المصالحة قريبة جدا في المغرب، وأسبابها مواتية؛ ولكن “المخزن” الداخلي، والهيمنة الخارجية، يمنعانها بكل قوة؛ لأن الجميع يعلمون عندها، أن المغرب يمكن أن يصير من القوى الإقليمية التي يُحسب لها ألف حساب.

       ونحن لا نشك أن الملك الحالي، يعي هذا جيدا، ويعمل له من جهته بما يستطيع؛ لكن من دون مساندة شعبية لرؤاه السياسية، لن يذهب بعيدا؛ وسيذهب جل جهده سدى. والسياسيون الذين كان يُفترض أن يقوموا بمهمة توعية الشعب ورص صفوفه خلف الملك، قد مُسخوا بفعل الترويض المخزني والتدجين، حتى ما عادوا يعقلون إلا ما له صلة بمصالحهم الدنيوية الضيقة. وهكذا صاروا عبئا، على الشعب وعلى الملك. أما المثقفون، فإن شطرا كبيرا منهم، ما زال يطارد أوهام الصبا (نقصد مرحلة الأيديولوجيا التي ولت تاريخيا)، وهو هنا متخلف عن الواقع، بما يجعله يعجز عن الإسعاف.

       لا بد أن نذكر في هذا السياق، شخصا من العائلة الملكية، كان سباقا إلى التحذير من التمزق التاريخي -الذي يعيشه المغرب، والذي سيزداد حدة مع الأيام- هو الأمير هشام العلوي، الذي واتته الشجاعة، ليُعلن ذلك للشعب، مغامرا بامتيازات كثيرة كانت له. ونحن وإن كنا لا نوافقه على استبدال النسق الغربي بنسقنا المغربي، الذي (النسق الغربي) يراه أمثل ما يُمكن أن يُحتذى؛ إلا أننا نُكبر فيه رغبته في العمل على الخروج بالمغرب من هذا الانسداد، الذي لم يعد يخفى على أحد.

       ولما كان الضعف الذي بلغه المغرب بعد الاستقلال، لا بد أن ينتج عنه فراغ، بحسب “فيزياء” التاريخ والسياسة، ينتهزه من كان على أهبة الدخول في المعترك؛ كان حتميا أن تظهر قوة جديدة، تستثمر آمال الشعب وطموحه، من أجل بلوغ غايات في نفوس أصحابها. ولم تكن إلا جماعات الإسلام السياسي، التي أصبحت باستنادها إلى الدين، مرشحة لأن تكتسح الساحة السياسية، بسهولة ويسر.

       غير أنه رغم كون “المشروع” الإسلامي، بدأ قويا -نسبيا- من جهة التنظير، إلا أنه ووجه من الناحية العملية، بصعوبات كبيرة، أدت به في معظمه إلى الانخراط في الفساد السياسي المحلي والعالمي؛ إما بصفة خفية، وإما بصفة شبه علنية. ومن المعروف لدينا ما حدث للشبيبة الإسلامية، وكيف آل أمر جل أفرادها إلى أن يصيروا من جنود المخزن المخلصين، بعلم أو بغير علم. وبما أن الفساد لا ينتج عنه إلا فساد، فقد انتهى أمر الإسلاميين عندنا، إلى ما انتهى إليه اليساريون، وقبلهم “الوطنيون”.

       إن الأزمة التي يعيشها المغرب اليوم، بعد أن عجزت أحزابه عن تشكيل حكومة، كسابقاتها في الضعف، إنما تدل على أن إشكال عدم الاتساق بين الحكم والشعب، ما زال مستمرا، يتم تأجيله فحسب، من مرحلة إلى أخرى؛ إلى اليوم الذي لن يُمكن ترحيله بعده، فيصير الطرفان متواجهين، بكيفية لا ندري هامش المناورة فيها، ولا مدى حكمة المتقابلين وقدرة احتمالهم، بالنظر إلى سابقيهم مع تلك المواجهة.

       إن الإسلاميين عندما لم يكونوا في مستوى ما أعلنوه من التزام بالدين، لا يستطيعه إلا من تزكى، قد أعادوا الشعب إلى خط الانطلاق، الذي جعل كثيرين من الشباب يفقدون معه الثقة بالدين نفسه. وجماعة العدل والإحسان التي تختلف عن غيرها في الموقف من النظام، لا تشذ عن القاعدة، بسبب اندراجها في التنوع الإخواني العالمي، الذي لا نشك أن قياداته العالمية، على اتفاق ما، مع النظام الدجالي العالمي، من وراء الشعوب. وهي بهذا (أي جماعة العدل والإحسان)، لا يمكن أن تغير من الأمر شيئا، وإن زعمت أو زُعم لها غير ذلك. وهذا الإخفاق “الإسلامي”، هو أسوأ من إخفاق أصحاب الأيديولوجيات السابقين، وأشد خطورة. وإن حدة الأزمة اليوم، ينبغي أن تجعل الملك والشعب معا، يتنبهان إلى ما يمكن أن ينجم عنها من انشطار للشخصية المغربية، قد لا ينفع معه بعد ذلك علاج.

       وحتى لا نصل إلى أسوأ مما بدأنا منه مع الاستقلال، فإنه يجب فتح باب الكلام، في كل ما تجاوزناه وأغفلناه، في جميع المراحل السابقة من عمر الدولة المغربية “الحديثة”، التي نرى نحن أنها لم تولد بعد؛ وإنما هو مخاض، إما أن يُفضي إلى ولادة، وإما إلى إسقاط. كل هذا، مع ضرورة إشراك الشعب، إشراكا واعيا ومسؤولا، يجنبنا الفوضى المعهودة، التي قد تقطع عن كل خير يُرجى. فهل سنكون في مستوى هذا التحدي التاريخي؟..    

        

 

(يُتبع…)

(كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: