رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -13- علمانيتنا

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -13-  علمانيتنا

الشيخ عبد الغني العمري

       إن الناس يغلطون كثيرا عندما يقيسون العلمانية عندنا على العلمانية في أوروبا؛ لأن العلمانية هناك كانت فصلا للدولة عن نفوذ الكنيسة، بينما هي عندنا انقسام في الشخصية فردا وجماعة. والنصرانية في أوروبا، لم تكن معنية بالقوانين العملية كثيرا (الشريعة)؛ بينما نحن لا يمكننا الانفصال عن الشريعة انفصالا باتا، بعد أن صارت ثقافة. ولهذا السبب، لا يمكن أن نصل إلى دولة علمانية، كما هي في أوروبا. وإن نحن أقررنا أن العلمانية الأوروبية، هي ذات طابع فكري سياسي، فإن علمانيتنا هي علمانية نفسية شخصية. فهي لدينا مرض، لا وضع سياسي. والسبب هو أن الشخص الأوروبي، سواء كان متدينا، أم غير متدين، باق على تمام انسجام شخصيته، في الحالين. فإن هو تخلى عن الدين، ولم يدخل إلى الكنيسة، فلن يشعر باعتراض الدين لسبيله طيلة عمره. وهذا هو ما يمكن أن نسميه علمانية الكفر. أما نحن، فإن الفصل بين المجالين لدينا، واقع دال على انقسام الشخص في نفسه، كما ذكرنا؛ وهذه علمانية النفاق. ولهذا، فهو إن تخلى عن الدين، فإنه سيبقى يعيش معه في صراع طيلة عمره؛ وإن هو تدين، فإنه لن يعيش الدين كاملا كما هو، في الشطر الآخر من نفسه. وهذا الشطر الثاني، هو الذي يقابل الدولة في الخارج غالبا. وهذا الوضع، من أشد الأوضاع غرابة، وإتعابا لأصحابه.

       هذا لا يعني أنه لا يوجد لدينا علمانيون كاملون؛ لكن شرطهم أن يكونوا كافرين كفرا تاما لا شبهة فيه. هذا فيما يعود إلى أنفسهم؛ أما فيما يتعلق بصلتهم بالدولة، فإنهم لن يتمكنوا من عيش العلمانية، كما يعيشها الأوروبي أبدا. وهؤلاء هم المنادون إلى العلمانية، الذين لا يملّون من الإشادة بها. ولو علموا أن العلمانية التي ينشدون، لا يمكن أن تنبت في مجتمعنا، لرحلوا عن بلادهم، بدل أن يطمعوا في نيل المحال.

       إن جل مجتمعنا مسلم، لكنه في الآن ذاته، لا يعلم من الدين إلا ما يغطي بعضا من شعائره. وهو مع هذا، لا يقبل أن يعيش الإسلامَ العميق الذي يشمل الظاهر منه والباطن، بسبب تأثره بالرؤى ذات الأصول الفلسفية المخالفة، وبسبب ميله إلى الدنيا. وهذا الوضع، لا يمكن أن نعتبره سمة لشعبنا، بقدر ما هو اضطراب وقتي، لا بد أن يزول، وإن طالت مدته. لهذا السبب، تجد جل من كان لا يأبه للدين في معظم مراحل عمره الأولى، يعمل على تدارك تدينه في شيخوخته؛ وكأن الأمر كمّي، يمكن تحقيق التوازن فيه؛ أو هو نوع تحايل، يرغب من ورائه نيل الدنيا والآخرة معا، على الترتيب.

       إن العلمانية بادية في دساتيرنا، التي تخلط من أولى فصولها بين مرجعية الوحي ومرجعية الفكر. ثم إن مظاهر العلمانية لا تخطئها العين عند النظر إلى ملوكنا، من جهة المنطق وطريقة التفكير على الخصوص. وقد كان الحسن الثاني، نموذجا لانقسام الشخصية بين الديني وغير الديني. وهو لم يكن في هذا، إلا مرآة لشعبه، الذي لا يتمكن حتى علماؤه، من زعم أنهم غير علمانيين على التمام. نعني من هذا، أن العلمانية عند المغاربة، عامة شاملة، تختلف في درجاتها عند النظر فحسب. وهذا، منذ تأسيس الدولة الحديثة، ما بعد الاستقلال، على الأقل.

       وإن الإسلاميين، عندما ينعتون أشخاصا مخالفين لهم في الغالب سياسيا، بأنهم علمانيون؛ وتجد هؤلاء يتبرمون من هذا الوصف الذي يتوهمون أنه قدحي، وإن كانوا يقرونه في أنفسهم؛ فإن هذا يدل على عدم ضبط في التشخيص والتوصيف فحسب؛ لأن الإسلاميين من أكبر العلمانيين، وهم لا يدرون. فالإسلامي، مهما بالغ في التدين بحسب زعمه، فإنه يتخلى طواعية عن الدين، كلما دخل مجالا يخضع لقوانين مخالفة للشريعة، ولا يرى في هذا بأسا. وهذا هو ما ليس موجودا عند الأوروبيين، إلا إن قسنا إدراكنا للدين إلى إدراكهم؛ وهو ما لا يصح، بسبب اختلاف مفهوم الدين فيما بيننا.

       أما الفقهاء الرسميون، فهم حارسون للعلمانية بعد أن أسسوها. وانعزالهم في مؤسساتهم التي يتوهمون أنهم يعيشون فيها تدينهم، مع إهمالهم لشؤون البلاد في باقي المؤسسات، لهو أكبر دليل على علمانيتهم، وأوضحه. وهم بهذا، قد أصبحوا يشبهون قساوسة الكنيسة بعد انكماش أنشطتهم داخل معابدهم. وعندما يعود علماؤنا إلى المجتمع، ففي الغالب ليخدموا العلمانية حقيقة؛ لأن التدخل الوقتي في الأمور، لا يزيد العلمانية إلا رسوخا، وهو كالاستثناء الذي يؤكد القاعدة. وسبب هذا كله، هو تخلف الفقه -الذي بقي منحصرا في قرون ماضية- عن المرحلة الزمانية الراهنة، والتي تتطلب إدراكا لروح التشريع، بقدر لم يثبت إلا لكبار المجتهدين.

       أما التديّن الحق، فلا يتحقق إلا إن صار الدين حاضرا حيث كان الإنسان. وهذا لا يكون الآن بصفة الشمول؛ لأنه من خصائص زمن مهدي آخر الزمان. وكلامنا هذا، إنما هو تعريف بحقيقة الأمر، لا دعوة إليه. وحتى إن كان دعوة، فإن العمل به لن يكون إلا جزئيا الآن. وكلما كثر أهل التدين الصحيح، فإن الأمر سيكون أقرب إلى ما هو الأصل عليه؛ وسيكون كأنه استعداد من الأمة، لاستقبال زمن الخلافة العامة.

       إن العلمانية التي صارت الدولة راعية لها، لا يمكن أن تنحسر إلا إن رفضها الشعب ومجّها. والشعب لن يرفض العلمانية، إلا إن هو علم آثارها، وربط بين السبب والمسبَّب فيها. وهذا في الحقيقة عمل النخبة، لا عمل العوام. والنخبة ما زالت عندنا تحت حكم الغفلة، سواء تعلق الأمر بالنخبة الدينية، أم تعلق بالنخبة الفكرية (المثقفين). وبقاء النخبة على عجزها، وانفصالها عن واقعها، هو بسبب العزلة المعرفية التي يعيشون، في سجن العقائد والأيديولوجيات. ولو علم الطرفان أن الدين الحق، هو المخلِّص من هذا الاجتزاء المعرفي، لسعوا إليه سعيا. لكنّ الدين، لم يُعرف في بلادنا خارج الزنازين المذهبية، حتى يُقصد. وفي كثير من الأحيان، يُنظر إليه على أنه سبب ما نحن عليه من سوء؛ دون تمييز بين الدين والتديّن. وعدم التمييز هذا، أدى إلى صنف فرعي من العلمانية، لا يكاد يُشعر به.

       وإذا أردنا الخروج من الفُصام الذي نعيشه، فلن يكون ذلك بالإصرار على بعض مظاهر التدين، المتعلقة بالمظهر الخارجي، وكأننا في مغالبة “شكلية” مع العلمانية. وقد سقط في هذا الصنف من رد الفعل سفهاء المتدينين، الذين لا يعلمون من الأمر إلا بعض ظاهره، وهم عن حقيقته غافلون. هذا الصنف من العلاج، سيزيد من حدة الأزمة، لأن المغالبة الظاهرية عند اشتدادها، ستنقلب إلى عنف، يريد به أصحابه حسم المواجهة. وهذا لا يمكن أن يأتي بخير، مهما ظن أصحابه وتوهموا.

       إن أزمتنا التي هي متعددة الواجهات، لا يكون حلها بالمواجهة، وإنما بالتحليل المعرفي، الذي يُرجع الأمور إلى أصولها، ثم يعيد صياغة تصورها، في بناء متسق، يكون مستساغا للطرفين. لو كانت الدولة تعمل لصالح الشعب، لكان هذا من مهامها؛ ولكن بما أنها تعمل في خدمة المشروع الدجالي العالمي، فإنه لا معوَّل عليها. ويبقى على الشعب دائما، أن ينهض بنفسه، إلى ما يراه صالحا؛ إن كانت به بقية حياة.

       إن الكلام عن العلمانية، يجرنا في المقابل إلى الكلام عن الدولة الدينية. وكما أن العلمانية، قد بيّنّا أنها تختلف عندنا عما هي عليه عند الأوروبيين، فكذلك مدلول الدولة الدينية يختلف. وإذا كانت الدولة الدينية عند الأوروبيين، تعني تحكم رجال الدين في دنيا الناس، فإنها عندنا لا تعني هذا، إلا في حالة انحرافها. وأما الأصل في بلادنا، فهو الدولة الدينية، بالمعنى الذي يليق؛ وهو تحكيم الشريعة (الوحي الإلهي) في الدنيا، لا تحكّم الفقهاء. والتفريق بين الأمرين، عند من لا علم له بالتفاصيل، يكاد يمتنع؛ لكن الأمر سيكون جليا، إن نحن علمنا أن الدين الحق (خاتم الشرائع)، لا يصح قياسه على النصرانية التي هي باطلة منذ البعثة المحمدية، على فرض بقائها على أصلها. فكيف بالأمر، إن انضاف إليه ما لحقها من انحراف عقدي على الخصوص!.. ومن هنا تكون العلمانية عندنا، أشد سوءا منها عند غيرنا؛ لأنها تجعلنا نخرج على قدرها، من النور إلى الظلمات.

       إن المغرب من كونه إمارة للمؤمنين، هو دولة دينية؛ لكنها ناقصة التدين، إلى الحد الذي لم يبق منه إلا معالم باهتة لا تفي بالضروري السياسي قبل غيره. وهو (المغرب) دولة لا دينية، بكل الاعتبارات التفصيلية الأخرى. وهذا لا يمكن أن تنتُج عنه دولة قوية، تنتزع مكانتها بين الدول بجدارة. والحسم في طبيعة الدولة، لا بد منه، عاجلا أم آجلا. وإن كان الملك الحسن الثاني، قد بدأ بإبراز معالم إمارة المؤمنين، فإن خلَفه لم يُضف في ذلك الاتجاه شيئا؛ مع أن الظروف صارت أفضل مما كانت عليه زمن والده.

       وأما أولئك الذين يجعلون الدولة الحديثة في مقابل الدولة الدينية، فإننا نقول لهم: إن ذلك لا يصح عندنا بالقطع؛ لأنه لا تضاد بين الدين والحداثة، (إلا إن قُصد بها الحداثة الفكرية، التي هي مواصلة للتفلسف العالمي في زماننا). والسياق الذي تقيسون عليه، ليس سياقنا. ومن أراد أن يستدل على ما نقول، فلينظر إلى إيران التي هي دولة دينية، وفي الآن ذاته، هي أكثر حداثة من كثير من الدول العربية. هذا، إن لم يكن يُقصد بالحداثة الكفر أو الفسق؛ لأن بعض العقول الحيوانية لدينا، هكذا تفهمها.

       إن الخلط بين مجالين متناقضين في حيز واحد، لا بد أن يولد -إلى جانب الضعف الذي ذكرنا- التباسا لدى الشعب، الذي كأنه يعامل دولتين. وهذا يهوي به في مهاوي النفاق في المعاملات، إلى الحد الذي تُفقَد معه المعالم. وهذا الوضع، ينتهي بغياب الحدود بين القانوني وغير القانوني فيما بعد، وبين الشخصي والعام، وغير ذلك مما هو ضروري لاستمرار نظام المجتمعات.

       إن الأزمة السياسية الحادة التي يعيشها المغرب اليوم، ليست وليدة يومها، وإنما هي نتيجة كل الأخطاء التي ارتكبت منذ أزيد من نصف قرن. وإن كل الحلول الترقيعية التي تُنتهج من أجل الخروج منها، لن تزيد الأمر إلا سوءا، على المدى المتوسط. والحل، هو العودة إلى ضبط تصور الدولة من البداية، ضبطا مستندا إلى العلم والمعرفة، لا إلى السياسة بمعناها الظرفي.

       وبما أن الأمر غير محسوم في المستوى المعرفي، فإنه لا يحسن بنا أن ندخل في معارك غير متبيَّنة العواقب، بين أطراف من شعب واحد، لا ينبغي أن يُزاد في تقسيمه أكثر مما هو واقع. وعلى الأطراف جميعا، أن تعمل على تحديد خصوصياتها، قبل أن تدخل في مخاصمة غيرها. وخصوصا إن كانت الجوامع بين الأطراف كثيرة، وتمس جوانب شبه مجهولة لدى أصحابها أنفسهم. وعلى كل حال، فإن وحدة الشعب، ضرورية، إلى الحد الذي لا يُمكن التساهل فيه، مع كل من يريد النيل منها، ولو بطريقة شبه علمية. ولأن نكون جميعا، وعلى التباس، خير من أن نفترق على غير أساس.        

          

(يُتبع…)

        

 (كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر من شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: