رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -14-

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -14-

الشيخ عبد الغني العمري

ملَكيّتنا

       إننا نسمع كثيرا من بعض سياسيينا، في مناسبات مختلفة، دعوة صريحة أو بالتلميح، إلى ملكية برلمانية، يعبر عنها المغاربة بـ: “يسود الملك فيها ولا يحكم”. وقد سبق أن أبدينا الرأي في هذه الدعوة، وقلنا إننا لا نوافق على ما يُراد منها؛ ولعلنا هنا سنبسط قليلا، الداعي إلى ذلك. وأول ما ينبغي ذكره، هو أن قياس الملكية لدينا على الملكيات الأوروبية، لا يصح، لعدم وحدة النسق، الذي أشرنا إليه في فصول سابقة.

       وعندما نعود إلى الملكيات الأوروبية الحديثة، فإننا نجد شرطها الأول الديمقراطية، التي تكون ضامنة لسير مؤسسات الدولة، من دون حاجة إلى حكم الملك المباشر. وهكذا بقيت عندهم الملكية رمزا تاريخيا، وطقوسا فولكلورية، فحسب. وهذا الوضع لا يُمكن استنباته في المغرب، لأمور، منها:

  1. إن المغرب ليس بلدا ديمقراطيا، ولن يكون (بالمعنى الحقيقي للكلمة). وقد أوضحنا في فصول سابقة، أن الديمقراطية، ينبغي أن تُؤخذ بسياقها كله، ولا يُمكن أن تُجتزأ. والمغاربة لا زالوا يحملون في ذاكرتهم الجماعية، صورة السلطان، الذي يطبع زمانه بشخصيته، ولم يستسيغوا بعد، حكم المؤسسات (هذا هو الواقع!). هذا بالإضافة إلى أن المؤسسات عندنا، لا وجود لها بعيدا عن الأشخاص، بسبب التركيبة المخزنية. والقانون، رغم كل المحاولات، لا زال لم يسُد في الأذهان، بله أن يسود في الإدارات والمؤسسات. وهذه حقيقة تميز الشعوب المتخلفة عن سواها اليوم.
  2. إن الملِك بالمعنى الشرعي، الذي هو فرع عن خلافة الظاهر، لا بد أن يكون تنفيذيا، يحكم حكما مباشرا. وهو يُسأل عن حكمه أمام الناس في الدنيا، وبين يدي الله في الآخرة. وقد جاء في الحديث النبوي: «فَالْإِمَامُ (الْأَمِيرُ) الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[1]. والمسؤول لا يكون مسؤولا، حتى يحمل التكليف بالفعل، لا بالنسبة فحسب. وهذا المعنى يؤكده قول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]. أي، لا يتحمل أحد تبعة عمل غيره قط؛ إلا إن كان له نوع مدخل فيه، بالإيعاز أو بالإكراه، أو غير ذلك.
  3. إن العقل العربي عموما، لا يوقر إلا القوي؛ والمـُلك في اللغة من الشدة والقوة، من مَلَكَ العجينَ إذا قَوِيَ عليه. والمـَلِك في بيئتنا، لا يمكن أن يهنأ بالعيش، وهو لا حكم له بالفعل. ولن يتركه الحكام الفعليون وقتها، يوما واحدا، بسبب خوفهم على الحكم الذي يكونون قد احتوشوه لأنفسهم وأقاربهم. هذا السلوك مطبوع في النفوس، وكل من يغالط نفسه، ويقول غير هذا، فإنما هو يريد أن يحتال على غيره فحسب.

       لهذا كله، وغيره، نحن نرفض القول بالملكية البرلمانية في بلادنا. لكننا مع هذا، نريد أن يكون حكم الملك منسجما مع نسقنا الشرعي، على قدر المستطاع؛ حتى لا يبقى حكما مزاجيا، يكون أقرب إلى الجاهلية منه إلى الإسلام. وقولنا على قدر المستطاع، هو من وعينا بالإكراهات الداخلية والخارجية، التي تعوق الحاكم عن فعل كل ما يريد من الخير.

       إن مزاولة الملِك للحكم تعني أن يباشر الإشراف على سير الحكومة بنفسه، سواء كما فعل جده وأبوه -رحمهما الله- بضع مرات بطريقة مباشرة (1960-61-65)، أم عن طريق رئيس الحكومة، كما هو الغالب. وليس المهم الشكل هنا، بل مقدار نفع الحكم للناس وتيسير أمورهم. والملِك من كونه المسؤول الأول، فإنه لا أحرص على حسن سير شؤون البلاد منه؛ ولا أحد يخطر له، أن الملِك قد يسعى في خراب حكمه بنفسه. لكن الخطأ الذي وقع فيه الملك محمد السادس وفقه الله، منذ توليه الحكم، هو إعطاؤه للمستشارين نفوذا أكبر مما ينبغي لهم؛ خصوصا، بعد انتفاضة 20 فبراير 2011، التي سمّت مستشاريْن ملكييْن، ودعت إلى تنحيتهما. ونحن لا نريد الطعن في حق الملك أن يتخذ لنفسه من شاء من المستشارين، ما دامت مهامهم لا تتعدى الاستشارة، إلى الحكم؛ لأنهم سيصيرون حكاما بغير صفة. والحسن الثاني الذي عيّن في زمنه أربعة مستشارين، لم يكن يسمح لهم بمجاوزة قدرهم، في التنسيق بينه وبين الوزارات (وهم هنا أعوان في الحقيقة لا مستشارون)؛ وإن لوحظ منه -رحمه الله- ميل إلى أحمد رضى كديرة، خصوصا بعد محاولتي الانقلاب، وانعكاسهما على حالته النفسية، بحسب ما قيل. أما الآن، وفي عهد الملك محمد السادس، فالأمور أقرب إلى الاستقرار، الذي يمكّن الملك من إنجاز ما لم يستطعه والده.

       كان الأجدر بعد 20 فبراير، تنحية المستشاريْن، احتراما لإرادة الشعب؛ لا الإتيان بدستور ينتقص من صلاحيات الملك، ويعطيها لمن لا يستحقها من رؤساء الحكومات. نقول هذا، لأننا نعلم أنه لا سياسة بمعنى الكلمة في بلادنا؛ وإنما هي بيادق يُؤتى بها عند اللزوم. ولو كان عندنا سياسيون حقيقيون، لما وصلنا إلى هذا الوضع الصبياني اليوم.

       إن مَن أفهم الملك أن الشعب على خلاف معه، لم يكن أمينا في تفسير الأحداث؛ لأن الشعب كان واضحا في مطالبه؛ وهو لم يمس الملك أبدا، باستثناء قلة نعلم عداءهم لأنفسهم قبل غيرهم. وإن اعتبرنا أن انتفاضة 2011 تعبير شعبي، عما يريد أن يحققه الشعب من إصلاح، فإننا سنكتشف أن من خان الشعب وقتها، هم الإسلاميون والأحزاب السياسية. ذلك لأن هؤلاء جميعا، لا مصلحة لهم في اتفاق الملك وشعبه على ما ينفع البلاد؛ وإنما مرادهم الوصول إلى الحكم، بطريقة مباشرة، كما يزعم أصحاب الخلافة الخرقاء، أو عن طريق الوصول إلى المناصب الحكومية، كما هو طموح الأحزاب الانتهازية. وكما خان هؤلاء الشعب عند نبذه وحيدا في الساحات، خان المستشارون الملك، لما أفهموه أن الشعب له تحفظ على صلاحياته. كيف يكون هذا، والمـُلك لا يستقيم إلا بحكم فعلي وقوي من الملك!.. لهذا، كنا نقول: نحن نريد أن نزيد في صلاحيات الملك، لا أن ننقص منها!..

       إذا عرفنا هذا، فإننا سنعرف أن المؤامرة على المغرب تأتي من جانبين، هما السياسيون المحترفون من جهة، والمستشارون الذين يتصرفون باسم الملك، من جهة أخرى. ونحن لا نستبعد وجود اتفاقات سرية بين هؤلاء وأولئك، من وراء الشعب والملك؛ لأن ما يحدث في البلاد، وما نلمسه لمسا، يدل على أن الملك صار معزولا عن الشعب.

       إن عزل الملك، لا يكون إلا بإعطائه معلومات مغلوطة، يبني عليها معاملاته لشعبه، لكنها تأتي في غير محلها. وإن الملك لا بد له أن يعلم (وهو يعلم) أن الحصان الأصيل يفهم عن صاحبه، ويميّزه من بين كل الناس؛ فإذا كان هذا من صفة الدواب، فكيف بشعب يبلغ الأربعين مليونا من السكان، لا مطلب له إلا أن يتحقق له بعض العدل، وأن يُمكَّن من العيش في وطنه بحد أدنى من الكرامة!.. وهو يعلم علم يقين، أن ملكه يسعى إلى الغاية نفسها، ويسمعه كل مرة يؤكد ذلك!.. لا بد أن شيئا ما، يقطع التواصل بين الطرفين المعنيين، وليسوا إلا المستشارين، الذين يريدون أن يحكموا البلاد بالوكالة!..

       زاد من هذا الانطباع لدى الشعب، كثرة خروج الملك من البلاد، وطول مكثه في الخارج، المرة بعد المرة. وهذا ليس في صالح الملك؛ لأنه يوحي إلى المغرضين، بأن البلد يمكن أن تسير أموره من غير الملك. نقول هذا، ونحن نعلم أن الأمر مخالف لما نقول؛ لكننا نتكلم عن الانطباع الذي سيعقب ما ذكرنا.

       ثم إن الإكثار من تدشينات الملك للمشاريع بنفسه -وإن كان لها داعٍ من ضعف الوعي بالمسؤولية لدى المكلفين، وتكالب الطامعين على المال العام- قد جعل الملك يظهر في غير ما يليق به. فهو ينبغي أن تُدّخر حركاته وأقواله في العلن، للقرارات المصيرية للدولة. وإن دعت الضرورة للتدشين من قِبله، فإن ذلك لا يكون ديدنا، حتى يقلل من هيبته. ونحن لا نشك أن المستشارين من وراء هذا، يريدون أن يُشعروا الشعب أن الحكم الفعلي بأيديهم، وأن الملك حكمه صوري، يكاد يشبه القيام بوظيفة العلاقات العامة للدولة.

       إن ما نقوله هنا، لم نكن نود أن نُلجأ إليه، ونحن من يحرص على توقير الملك، وعلى إيلائه حقه كاملا غير منقوص؛ ولكن عِلْمنا بأن وسطاء الفتنة، يحولون بين الملك وشعبه، ويُفسدون تواصلهما بكل ما يستطيعون، هو ما جعلنا نركب هذا المركب الوعر. إن ما يمر به مغربنا، وما يُحاك له من مؤامرات، لم يعد يسمح بالمعتاد من المجاملات. فإما أن يقع التعاون بين الملك والشعب حقيقة، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإما فليفعل كلٌّ ما يراه منجيا له بمفرده.

       نتعجب كثيرا عندما نسمع عن الماسونيين المعلَنين والأخفياء، يتولون المناصب الكبرى في بلادنا، وينظمون اللقاءات التي يُقال إنها من أجل السير بالبلاد إلى الأمام؛ ونتساءل: أين الشعب، المالك الأصلي -بعد الله- للبلاد؟ هل يئس إلى الحد الذي استوى عنده الهدم والبناء؟ ومتى كان الماسونيون يخدمون شيئا غير النظام الدجالي؟!.. أبلغ الهوان بالمسلمين أن صار الشيطان إمامهم في الصلاة؟!.. أي عمى هذا!.. وأي عمه!..

       إن الشعب ليس له اليوم، إلا أن ينسلخ من كل الانتماءات التي تلاعب به أصحابها مرارا؛ وتاجروا بآلامه وآماله بسببها، جيلا بعد جيل. وإن الملك لم يعد له سوى شعبه، الذي صبر كثيرا على فساد المفسدين، ولم يخلع بيعته. فعليهما أن يجدا طريقة جديدة، تستعيد البلادَ من أيدي المترامين على ما ليس لهم، قبل أن تحل الحالقة. إن البدء من جديد، خير من التمادي في الغلط!…

       لن نعلّم الملك كيف يكون التغيير، ولا كيف يسوس شعبه، ولسنا في مورد ذلك؛ ولن نعلّم الشعب المغربي الأصيل، كيف يحافظ على بلده، ويصونه لأولاده وأحفاده؛ إنما أنا عبد ذقت من ظلم المفسدين، وعرفت إصرارهم على بلوغ النهاية في الفساد، من غير ارعواء؛ وخبرت منهم معاداتهم للدين، الذي هو عمدة أمرنا وجماع خيرنا، فخفت أن يصيبنا ما أصاب غيرنا على أيدي السفهاء، من خراب ودمار. أفيكون علي لوم بعد هذا؟!..

       كأني بأولئك الخبثاء من شياطين الإنس، وهم يحرفون أقوالي، ويتهمونني بالتطاول على الملك، والكلام فيما يفوق طوري. وجوابي هو أن الله شاء أن أكون من أبناء هذا الوطن.. ولن أسكت وأنا أراه ينهار، وإن وقع ما وقع!.. لو كان الشعب يُراعَى، والملك يوقَّر، ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولا اضطر المساكين من أمثالي أن يتكلموا فيما لا شأن لهم به في العادة!.. 

 

  

  

(يُتبع…)

[1] . متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

 (كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر من شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: