رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -16-

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -16-

الشيخ عبد الغني العمري

حكم الشريعة

       إن مسألة تحكيم الشريعة في دنيا الناس، قد أُسيء فهمها في العقود الأخيرة، إلى حد زاد على القصور الذي كان لدى السابقين، في قرون الانحطاط العام. وذلك، لأن من تولى دعوة الناس إلى الدين بين المتأخرين، أناس لم يعلموا، إلا بعض الجزئيات، التي يتصل أغلبها بالأقضية الفردية، وغاب عنهم جزئيات أخرى تتعلق بالولاية العامة، بالإضافة إلى التصور العام، الضروري لكل ترتيب للجزئيات. والحقيقة أنه قبل المستوى التفصيلي من التناول، لا بد أن يُنظر إلى الحكم (المبدأ) العام، الذي هو أعم من المستوى الأول بكثير. فإن شبهنا الإسلام في المستوى العام (التصور الشامل) باللباس المكتمل، فإن ما عرفه الناس بـ “تحكيم الشريعة”، لا يُجاوز أن يكون حذاء. وكما لا يُمكن للشخص أن يسير عريانا، وهو يلبس حذاء، يتوهم منه أنه على أتم هندام؛ فكذلك لا يجوز أن يُنظر إلى بعض الأحكام القضائية، على أنها الشريعة وحدها.

       وأول ما يُعتبر عند التناول الصحيح، هو اختيار المجتمع للإسلام، من غير إكراه. فإن اختار المجتمع الإسلام، فبعد ذلك يُنظر في الأصول التي ينبغي أن يُحاط بها علما، لا في الفروع. وأمر اختيار الإسلام، ثابت ولله الحمد لكل البلدان الإسلامية، وعلى التخصيص البلدان العربية. بعد هذا، علينا أن نفرق بين إسلام المجتمع، وإسلام الفرد. نعني من هذا، أنه لا تلازم بين الإسلامين، بعكس ما يظن الجاهلون. نعني أن المجتمع قد يكون مسلما، في حين يكون بعض أفراده غير مسلمين أو فساقا، ولا حرج!..

       ومن أهم سمات إسلام المجتمع، أن يكون الحاكم مسلما، وأن يكون المرجع في السياسات المختلفة الوحي (القرآن والسنة). وقد نجد بعض الناس يتخوفون كثيرا من هذا الكلام، لظنهم أنه سيُضيّق عليهم في اختياراتهم الفردية؛ وهذا غير صحيح؛ لأننا لا زلنا نتكلم في المستوى العام، ولم ندخل بعد في الخصوصيات التي تمس الأفراد؛ فهو (المستوى العام)، ينظم العلاقات البينية، لا الأعمال الفردية. فبعد اختيار الإسلام منهجا للعيش، يُنظر في هياكل الحكم، وتنظيم القطاعات. وأول ما يُتناول كيفية ضمان انسجام طريقة الحكم بالمبدإ العام. وهنا، لا بد من جماعة من حكماء البلد، يكونون مشرفين على السير العام، ويتدخلون عند اللزوم. هؤلاء سُمّوا فيما قبل “أهل الحل والعقد”، أو يُسمّون الآن في بعض الأنظمة “مجلس الشورى” (مجلس الشورى الأعلى في مقابل مجلس الشورى العام)، أو غير ذلك من الأسماء؛ والمقصود أنهم عالمون بأصول الدين (بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي)، ويعلمون مدى مطابقة صور المجتمعات لها، علما تفصيليا. ولا بد أن تكون لهم سلطة بين الناس، تخولهم إبداء الرأي في الشؤون التي تتعلق بالمطابقة الكلية وحدها. نعني أنهم إن تكلموا عن قطاع جزئي، فإنهم يتناولونه من وجهه الكلي فحسب.

       ومما قد يستشكل على من لا علم له بالمسألة، التفريق بين الحكم الوراثي (المـُلك) والحكم الرئاسي (الجمهوري)، بالنظر إلى الحاكم. والحقيقة أنه لا فرق بينهما، إن سلمت المستويات الأخرى، من التصور العام الإسلامي. وذلك لأن الغاية من الحكم في الإسلام، هي عدم مصادمة الأوامر الربانية؛ لا الحكم ذاته. فإن كان المـَلك معينا على طاعة الله، فهو ذاك؛ وإلا فالمـَلَكية شأن شكلي هنا.

       ثم إن تدبير شؤون الحكم على اختلاف مراتبه، لا يتم في المجتمع المسلم، إلا بالشورى. والشورى بالمقارنة إلى نظام الحكم، كالجذع قياسا إلى الجسم. وقد غلط كثيرون عندما ظنوا أنه لا فرق بين الآليات الديمقراطية والشورى، وذلك بسبب نظرهم إلى الصورة، من دون إدراك للروح. والفرق بين الشورى والديمقراطية، هو أن الشورى لا تهمل أحدا من الناس، بخلاف الديمقراطية التي تظل تمثيلية وإجمالية. ولهذا السبب، لا تبدأ الشورى إلا من أسفل المجتمع (الأحياء والدواوير)، وتتدرج في مستويات عديدة، من أسفل إلى أعلى (من الحي إلى المدينة، إلى المركز الجهوي، إلى المركز الوطني). وكل مستوى من مستويات الشورى، لا بد أن يصب في المستوى الذي فوقه مباشرة، بطريق التصفية والغربلة، إلى أن يصل الأمر إلى شورى مركزية، تصوغ التوجهات المحددة للسياسات العامة. وبهذه الطريقة، يُقطع الطريق على المتلاعبين، الذين يستغفلون الناس (كما هو الحال في الديمقراطية) ويُحمّلونهم بعد استغفالهم نتيجة “اختياراتهم”؛ وهم في الحقيقة لم يختاروا، وإنما أوهموا أنهم قد فعلوا!.. وهذا من أهم وجوه التحايل في الديمقراطية. أما الشورى، فلا يُمكن أن يُنتقل فيها من مستوى إلى مستوى، إلا بعد نبذ الضرر المتبيّن فيه؛ فهي عملية مقاربة للكمال. والقرارات فيها، نابعة من الشعب، فلا يمكن إلا أن تكون مرضية لديه فيما بعد. وحتى المخالفون الذين ستُنبذ آراؤهم في الطريق، لن يحسوا بالغبن؛ وإنما سيوافقون في الغالب على النتائج العامة. وهكذا، تكاد تختفي المعارضة الهدامة، التي لا تقصد إلا إلى تقويض الحكم وإضعافه.

       وأما الحاكم، فإن أخذه بنتائج الشورى المركزية، لا يكون ملزِما له؛ وإلا عادت وظيفته شبه لاغية، ولكان منفذا لا مقررا. غير أن نتيجة عمله بالشورى، أو بما يخالفها في أمر ما، لا بد أن يتحمل مسؤوليته فيها أمام مجلس الإشراف على سير النظام. هذا، حتى لا يصير الأمر استبدادا، كما هي الحال، عند الحكم الذي عرفته شعوبنا منذ قرون طويلة.

       وأما ما يعرفه الناس اليوم من “حكم الشريعة”، فهو يندرج غالبا في القضاء. والقضاء، لا يمثل المرء أمامه، إلا إن اعتدى على حقوق غيره، لا كما يظن من لا علم له. نعني من هذا، أن المرء قد يكون عاصيا في نفسه، أو فاسقا، ولا ينبغي أن يعترض سبيله أحد؛ ما لم يُجاهر بمعصيته وفسوقه؛ لأنه حينذاك يكون ضارا للمجتمع كله. وهكذا، يظهر أنْ لا محاكم تفتيش في الإسلام؛ والناس أحرار في كل أمورهم التي تدخل في صلتهم بربهم. والقضاء لا بد أن يُجتهد فيه، حتى يصير مستوعبا للنوازل التي لم تكن معروفة عند الأولين. نعني أن المشرعين للقوانين التفصيلية، لا بد أن يكونوا عالمين بأدلة ما يشرعون؛ وإلا كان الأمر حكما بغير ما أنزل الله. وهذا يفيد أن تشريعات البرلمانات في الأنظمة الديمقراطية زعما، لا عبرة بها، طالما أن البرلمانيين ليسوا من أهل العلم الشرعي، فيما يُقرّون، وفيما يردّون. وشؤون الناس في الإسلام ليست مشاعا يعبث به كل عابث. غير أننا لا نعني بالعلم الشرعي، ما عليه الفقهاء الرسميون؛ وإنما نعني من آتاه الله فقها في دينه، وهو حريص على موافقة الحق فيه. وهذا يجعلنا نعيد النظر في الطرائق التي يتعلم بها الفقهاء الآن، لكونهم لا يتمكنون من نفع أمتهم إلا في نطاق محدود جدا.

       أما الحدود المنصوص عليها في القرآن والسنة، فإنه لا بد من العمل بها؛ لأنها تحصين لحقوق المجتمع، وحقوق الأفراد. ولا يجوز التغافل عنها، إلا إن كان المذنب، لم يتعد ذنبُه نفسَه، أو أحدا آخر غيره، لم يُقرّ بالفعل معه، كما هو الشأن في الأفعال التشاركية (لأن الشريعة تقدم مبدأ عدم المحاسبة على مبدإ المحاسبة). وأما من يريد أن يهدم نظام المجتمع، بالتحلل من قوانينه، فإنه يُعاقب من دون تردد. ولا خلاف في هذه الأمور بين العقوبات الخفيفة كالجلد، والعقوبات الشديدة كالقتل. بل إن بعض الذنوب في حق المجتمع، لا يمحو أثرها إلا القتل. هذا بالإضافة إلى كونها كفارة في حق المحدود، يتعدى أثرها إلى آخرته.

       ومن يتصور العمل بالحدود، من دون توافر المستوى العام الذي ذكرناه في البداية، فإنه سيرتعب لعظم ما سيراه من عموم حكمها شطرا كبيرا من المسلمين. وهذا لا غرابة فيه، لكونه محاسبة على الواجبات، من دون نظر في الحقوق. وأما من جعل العمل بالحدود منوطا بتحقق المستوى العام من الإسلام، فإنه سيعلم علم يقين، أن قلة من الناس، هم من سيقعون فيها. فظهر أن مسألة العمل بالشريعة، يختلف النظر إليها بحسب الناظر: فإما أن يجمع بين المستويين الكلي والجزئي، وإما أن يقتصر على التصور المبتور. وما رأينا من أولى المستوى العام حقه حقيقة، إلا ما كان من مقاربة الإيرانيين له، حُجب عنها أهل السنة بسبب اختلاف المذهب العقدي. فحتى من تكلموا في عصرنا عن الحاكمية، التي بها يكون المجتمع موافقا لأحكام الشريعة، فإنهم تكلموا في جزئيات الحكم في الغالب، لا فيما يعم كل المستويات؛ لأن الصورة العامة تركيبية انسجامية، ونحن قوم اعتدنا النظر إلى الأمور بالطريقة الاختزالية الفصلية. وهذا أمر يعود إلى ثقافة الناس، وقد كان ينبغي أن يعود إلى العلم.

       وأول ما ينبغي تمييزه عند إرادة تبيّن الصورة الشمولية للإسلام، التفريق بين الأمر والإرادة الربانيين؛ لأن اعتبار الأمر وحده، سيُعيدنا إلى مستوى الجزئيات، وإن كنا نظن أننا نتكلم في العموميات. نعني من هذا، أن الله الذي أنزل الشريعة، وجعلها ميزانا للأعمال والأحوال، الفردية والجماعية، هو ذاته سبحانه، من يقضي بمخالفتها، كما هي الحال في زماننا. والبقاء على موقف الرفض للمخالفة (وهو صواب)، من دون فقه الحكمة منها، لا يُمكن أن يهتدي صاحبه، إلى إدراك المستوى العام من حكم الإسلام. والمسألة مركبة ومتشعبة، لا يسهل الكلام فيها البتة؛ ونحن هنا إنما نريد التنبيه فحسب، لا الشرح والتفسير.

       إن ما علينا إدراكه في البداية، هو أن العالم لا يحدث فيه شيء بغير إرادة من الله، بغض النظر عن المراد، وهل هو موافق للشرع، أم هو مخالف. وكثير من العوام، ومنهم الفقهاء، يظنون أن المخالفات، تقع بإرادة أخرى شيطانية. وهذا شرك، لا خلاف فيه. وقد سمعنا مؤخرا، أحد من يزعمون أنهم متخصصون في العقيدة، يذكر “صراع الله مع إبليس”، هكذا!… {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 43]. وهذه العقيدة لا تختلف في شيء عن عقيدة الثنوية القائلين بوجود إلهين (إله الخير وإله الشر) إلا من كونها تحت مظلة الإسلام العامة. والحقيقة أن الإرادة عندما تخالف الأمر، في مسألة تحكيم الشريعة، فإنه ينبغي أن نفهم أمورا منها:

  1. إن الحكم (بجميع المعاني) من حيث هو حكم، ليس مقصودا لذاته؛ وإنما هو وسيلة إلى نيل مرضاة الله. وقد غلط هنا الإسلاميون كثيرا، حتى عاد الإسلام لديهم نظام حكم ينبغي تحقيقه، في غياب شبه تام لمعاملة العبد لربه (إلا ما كان من شعائر جوفاء).
  2. إن المراد، عندما يخالف المأمور به، ينبغي أن يجعل العبد يعود إلى ربه الآمر المريد، لا أن يتخذ موقفا مع الأمر ضد الإرادة، أو العكس؛ لأن كل من يوالي شأنا إلهيا ضد شأن إلهي آخر، فإنما يكون جاهلا، بعيدا عن الحق. وأكثر التديّن المنحرف، يظهر من هؤلاء، وهم يحسبون أنهم على شيء.
  3. عند مخالفة الإرادة للأمر، لا ينبغي أن نفهم أن العمل بالأمر قد تعذر، وعلينا أن نعمل على تغيير المراد من أجل العودة إلى العمل بالأمر؛ لأن هذا جهل محض. بل علينا أن ننصرف من العمل غير المتاح، إلى العمل المتاح. وكل هذا ينبغي أن يكون على نور من الشريعة (الأمر)، عند فقه ترتيب أحكامها، وفقه روح أعمالها. وعلى هذا، فإن غياب تحكيم الشريعة في المستوى العام، لا يعني تركها في المستوى الجزئي والفردي. والجدلية القائمة بين الكلي والجزئي هنا -وإن كان إدراكها مختلفا عن الوضع الأصلي الذي يتوافر فيه المستويان- ليست غائبة؛ بل ينبغي تتبعها في صورة جديدة، حتى لا يقع الانقطاع من العبد عن حكم الله في الوقت.

       إن النظر إلى الشريعة، كما لو أنها ميكانيكا تضبط المعاملة بين العبد والرب، هو نظر اختزالي حاجب عن العلم؛ لأن المعاملة لا ينبغي أن تتوقف لأي أمر من الأمور، وفي جميع الأحوال. وهي على كل حال مستمرة، علم ذلك العبدُ، أم لم يعلمه.

       وأما إن عدنا إلى المغرب، فإننا سنجد الإطار العام للحكم الإسلامي، والذي هو إمارة المؤمنين، حاضرا، ينقصه “التفعيل” فحسب. وأما الصورة التي يُراد منها إيهام الناس بقيام الحكم الشرعي على أتم ما يكون، مما هو متعلق بالدين “الرسمي” خصوصا، فإنه لا يزيد الأمر إلا ضعفا، بسبب حجب الحقيقة عن الأعين. ومن المعلوم أن التصورات الصحيحة، تفضي إلى المعاملات السليمة، بخلاف الموهومات. ولهذا السبب، يصعب الإصلاح، في مجتمع يظن شطر منه أنه على صلاح. والتعرية المعرفية، لها عوائقها من أعلى ومن أسفل، بسبب الأغراض الحاكمة.

       وإن أردنا أن نتبيّن أهم الشروط غيابا في الحكم لدينا، فإننا سنجده القوانين المنبثقة عن الشريعة، والتي كان ينبغي أن تنظم حياتنا في تفاصيلها. وهذا عائد إلى:

  1. ارتباطِنا بنسق كلي غير نسقنا، هو نسق المستعمر والحضارة الغربية عموما. وهذا يجعلنا -قياسا على المثل السابق- كمن يلبس قلنسوة النصارى في بيئة مسلمة. وهذا سيجعل المعاملات متعسرة، تخرج عن السجية التي هي الأصل.
  2. أخْذِنا من القانون الفرنسي في العقوبات؛ وهذا يشبه من يكتب العربية بالأحرف اللاتينية (وهو موجود). نعني أن هذا سينتج عنه مخالفة الأحكام الجزئية، للتصور الكلي. كمن يبغي لُبس ثوب على غير مقاسه. وفي هذا من التعسير، ما لا يعلمه إلا من جربه.

       وغياب القوانين الشرعية يرجع إلى ضعف في الإدراك عند فئتين، هما: فقهاء الشريعة، ورجال القانون؛ وكان ينبغي أن يكونا واحدا. وهذا يعود بدوره، إلى ازدواجية المرجعية في المجتمع. فالمرجعية لدينا، ليست الإسلام وحده؛ وإنما هي خليط بينه وبين الثقافة الغربية ذات الأصل النصراني (انظر احتفال المسلمين برأس السنة النصرانية مثلا).

       وإن غياب الحكم بالشريعة في المحاكم، الذي تغيب معه العقوبات الشرعية، قد أنتج في النهاية تفلتا شبه كامل من القانون؛ إلى الدرجة التي بقي فيها القانون وسيلة ضغط على من لا يقبل بالتوجه العام وحده. وأما من يُماشي السياسة العامة، ويعمل لها، فلا يكاد يجد قانونا في طريقه يزجره عما يريد. وهذه فوضى، ستؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه عاجلا أم آجلا.

       وكل ما عدا ما ذكرنا، فهو داخل في الحريات الفردية، التي يختار فيها الناس ما يريدون. نعني من هذا، أن المهمة التي يقوم بها الفقهاء اليوم، من هيمنة على الناس، يوهمونهم بها أنهم حريصون على ما فيه خيرهم، وأنهم مكلفون بذلك من قِبل الله، هي مهمة مُختلقة مكذوبة، يخدم بها الفقهاء النظام الحاكم، لا الدين. أما الوضع الأصلي في الإسلام، فالناس أحرار في شؤونهم الخاصة، لا يُحاسبهم عليها إلا الله وحده. أما النصيحة التي تكون فيما بين الناس، والتي قد تؤثر على توجهاتهم، فلا تدخل فيما نحن بصدده هنا؛ لأنها ليست قوانين أو شبه قوانين.

       إن الحرية الفردية، من أهم عوامل التديّن، بخلاف ما يشيعه المغرضون من الفقهاء. وإن نحن نظرنا إلى نتيجة تحكم الفقهاء في حياة الناس، فإننا سنجدها نفاقا، وانمحاء للشخصية، وتحايلا على الشرع والقانون؛ بعكس ما ينبغي أن تكون عليه شخصية المسلم من قوة ووضوح.

       إن ما يُسمى عندنا “الأمن الروحي”، ليس إلا “أمنا” مجردا، بالمعنى الذي تعرفه أجهزتنا الأمنية، التي تعامل الناس كقطعان الحيوانات. وأما الدين، فإنه قد حُنّط منذ زمن بعيد. غير أن هذا الوضع، ليس من صُنع الإدارات وحدها، بل الشعب شريك فيه، بسبب تنازله عن حقوقه الشرعية المشروعة. ومن أعان عاصيا على معصيته، فهو شريكه في الوزر، وإن كان الضحيةَ هو نفسه!…    

 

          

 (يُتبع…)

      

 (كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر من شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: