رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -17- الأحزاب السياسية

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -17-  الأحزاب السياسية

الشيخ عبد الغني العمري

       إن الأحزاب السياسية، المؤثِّثة للديمقراطية المزعومة، ليست من حيث الأصل إلا ميراثا استعماريا، نستنسخ بها نظام حكم شبيه، وغير مضاه لنظام حكم المستعمر (لأن التعالي الاستعماري لا يقبل أن يضاهي الخادم سيده). والقبول بهذا الوضع، هو قبول بالتبعية الدائمة للاستعمار. وهذا كله، كان على حساب خصوصيتنا الإسلامية العربية، التي صارت محاربة منذ الاستقلال (الشكلي) في عقر دارها.

       يكفي المغاربةَ ما آل إليه حال الأحزاب، في تناطحها الموجَّه، على بضعة كراسٍ، في برلمان للمومياءات؛ وعلى بضع حقائب في حكومة كسيحة، لا مهمة لها، إلا الجثوم على صدر شعب، تكاد تزهق أنفاسه، من طول مدة نمط حكم، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية!.. هذا، مع أن الوضع من البداية معلوم الخاتمة، بسبب الخروج عن النسق الإسلامي في الحكم، إلى النسق الغربي الذي لم نطُله.

       إن الأحزاب في الوجود اثنان لا ثالث لهما، وهما: حزب الله، وحزب الشيطان. يقول الله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، ويقول سبحانه: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]. وهنا نتساءل: من أي حزب هي أحزابنا؟.. أم هي مختلطة؟.. أما لفظ الأحزاب بصيغة الجمع، فقد ورد في مواضع عديدة من القرآن، وهو يدل على الملل الأخرى من غير الإسلام. وذلك كقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]. وكون المسلمين حزبا لا أحزابا، هو ما يؤسس له توحيدهم (العقيدة)، ويتجلى في وحدتهم بالفعل. من هذا، يتبيّن أنه لا يجوز إطلاق “الأحزاب” بالمنطق الشرعي، على جماعة المسلمين. فبقي أن نعلم: لمَ ابتُلينا بهذه الأحزاب؟..

  1. لأن حزب الشيطان، لا يريد أن يتفطن الناس إليه، إن هو ظهر على حقيقته، في مقابل حزب الله، ممايزا له. لذلك هو يوحي إلى حزبه أن يتعددوا، ليسهل تخفيه بسبب تعدد الاحتمالات في أن يكون أحدها، أو بسبب تفرقته في الأحزاب كلها، ليندس فيها. وكل هذا، خليق به!..
  2. لأن حزب الله، الذي لا يتعدد، سيتمزق إن قبل بعضُ المنتمين إليه، بالتعدد الحزبي. وهذا يجعله ضعيفا أمام حزب الشيطان المتوحد، وإن تعددت نِسبه ومظاهره. والغريب أنك تجد حزب الشيطان، يجعل “التعددية” برهانا على بلوغ الكمال الاجتماعي، تضاهي (التعددية) في قوتها المبادئ الإلهية في هذا المضمار، من دون أن يتفطن إلى ذلك الناس. ونحن هنا نتكلم عن التعددية السياسية، لا عن التعددية بالمعنى المعرفي، والناتجة عن الاختلاف. نقول هذا، لأن الشياطين يلبسون على الناس بين المعنيين!..

       أما إن قيل: إن إلغاء التعددية الحزبية، سيعود بنا إلى حكم الحزب الوحيد!.. وهذا لا يقول به، إلا جاهل بالتاريخ، وبما نجم عن مثل تلك الأنظمة!.. والجواب هو: إن في هذا الإيراد مغالطة عظيمة!.. وهي أن المسلمين وإن كانوا حزبا واحدا، فإنهم يُخالفون في المدلول معنى الحزبية السياسية؛ لأن الحزب عندهم دين لا أيديولوجيا؛ وبهذا، يكون حزب الله شاملا لكل مسلم تلقائيا. وهذا الانبساط، لا يبلغه حزب سياسي قط، مهما اتسع وكثر أتباعه. وعلى هذا، فحتى مع الحزب السياسي الوحيد، سيبقى مواطنون خارجين عن دائرة الحزب؛ بخلاف الأمر مع الإسلام.

       فإن قيل إن نظام الحكم الإسلامي سيكون وقتها شموليا!.. نقول: نعم، هو شمولي؛ لكن لا بالمعنى الذي يقصده الآخرون، من شمولية الحزب السياسي (الأيديولوجي)!.. لأن الشمول في الإسلام شمول رحمة، لا شمول قهر واستبداد. فإن قيل: ومع ذلك، فقد عرف المسلمون حكم القهر والاستبداد في مراحل تاريخية غير قليلة!.. نقول: هذا صحيح!.. لكنه يُحسب على الانحراف عن الإسلام، لا على الأصل. نعني من هذا، أن المسلمين لا يكونون دائما في مستوى إسلامهم؛ بل قد يصيبهم مثل ما أصابنا في عصرنا، من اقتباسات من خارج النسق؛ أو من انحرافات تعود إلى اتباع الأهواء. وإلزامنا بما لا يلزمنا، من معان تدور حولها الحزبية، لا يمكن أن يكون من صميم المنهجية العلمية؛ وإنما هو احتيال واستغفال، يُمارَسان ضد الغافلين من المؤمنين؛ يساعد عليه من له غرض من نُخبهم وقياداتهم.

       فإن قيل: وكيف يتحقق تمثيل الشعب لدى الحكام؟ نجيب: إن الأحزاب السياسية، لم تمثل يوما الشعب، وإنما هي تمثل مصالحها. ولقد أصبح الناس يفاضلون بين الأحزاب، بحسب ما يحصّلون معها من امتيازات؛ وكأن المناصب والأموال، أصبحت مغانم يتقاسمها شرذمة من السياسيين، من دون حسيب ولا رقيب إلا الله. أما التمثيل الحق للشعب، فينبغي أن يكون عن طريق تعميم الشورى. والشورى مرفوضة من طرف لصوص المال العام، لأن فرص السرقة معها ضئيلة، بسبب الشفافية وكثرة المراقبين (الرقابة الشعبية).

       ولو نظرنا إلى تمثيلية الأحزاب في بلادنا، لوجدناها صغيرة العدد بالمقارنة إلى غير المتحزبين، الذين تُدار شؤون بلادهم تحت نظرهم، وكأنهم أجانب عنها. والتجربة الحزبية منذ الاستقلال، لو أردنا أن نقيمها، لوجدنا خذلانها للشعب عند المنعطفات التاريخية سمة مشتركة لديها. وإن حالة قطاع التعليم والصحة، التي تكاد تنذر بالتوقف التام، لا يمكن أن نبرئ الأحزاب المتعاقبة على تدبيرها من إفلاسها. بل إن الأمر إن استمر على المنوال نفسه، فلا نستبعد أن تتخلى الدولة عن كل التزاماتها لفائدة القطاع الخاص، الذي تديره مافيات المال، والتي ليست بعيدة عن الأحزاب دائما.

       أما الأحزاب الإسلامية، فإن اسمها من “الإرداف الخُلفي”، بما أن الإسلام لا يقبل بتعدد الأحزاب كما سبق أن ذكرنا. وغير خاف أن الحزب الإسلامي الذي وصل إلى الحكم، لم يكن بعيدا من حيث النشأة، عن يد المخزن وعينه، الذي (المخزن) يبحث كل مرة عمن يقطع به المرحلة؛ وكأننا دولة وقتية، عليها تدبير شؤونها في مسابقة للزمن، كمريض بداء عضال، قد أخبره الأطباء بقرب وفاته.

       إن الأحزاب ذات المرجعية غير الإسلامية، لها بعض عذر -ولا عذر!- عندما تنتهج الكذب والتزوير، في سبيل الوصول إلى مآرب عاجلة؛ وإن خالفت بذلك المنطق العام للثقافة السائدة؛ أما الأحزاب الإسلامية، فقد صارت أعجوبة الزمان، عندما تنتهك كل الحرمات، ولا يرف لها جفن. بل إن حدث، وسقط أحد أتباعها، فإنها لا تتحرج من الدفاع عنه، من دون اعتبار لمعيار الحق والباطل، الذي هو أساس التديّن. إن لم تكن الأحزاب الإسلامية -على ما نرى- مخلوطة بدماء دجالية، فلا وجود للدجاليين إذاً من الأصل!..

       إن نظام الحكم حريص على الإبقاء على الأحزاب ضمن المشهد السياسي، يساعده على ذلك الحمقى الذين ينتظرون الفتح الديمقراطي الذي لن يأتي يوما؛ وإنما هو كالسراب الذي تطارده أعين الأجيال المستغفلة، من غير أمل في إدراكه، بحسب خلاصات التجارب المتكررة. الأحزاب السياسية بالنظر إلى نظام الحكم، هي كالقفازات التي يلبسها، تلافيا لاتساخ يديه، من سوء فعاله. فهو حريص عليها، من هذا الوجه؛ وإلا فلا اعتبار له للشعب ولا لممثليه، على فرض أنهم ممثلون له.

       إن ما ساهمت فيه الأحزاب من دمار لبلداننا -على الأرجح من غير علم قواعدها- كان استمرارا لما بدأه المستعمر من غير شك. وإن ارتباطها بالأحزاب التي أصلها هناك لدى المستعمر، ارتباط الوليد بمن ولدته، لا يدل إلا على ما ذكرنا. والشعب كأنه منوّم لا يهتم لشيء؛ وكأنه يعيش في عالم الملائكة، حيث لا شر ولا جريمة. لقد نشأت الأحزاب ضمن الحركة الوطنية، على صورة عدوها، رغم اختلاف الغايات. وهذا لأنهم ما عرفوا دولة “نموذجا” إلا دولة المستعمر، جعلوها قدوة في كل شيء. ونسوا أن نسقها الحضاري مختلف عن نسقنا. كل هذا وقع، رغم وجود رجال أفذاذ تشربوا الدين والعروبة، لا نشك في مكانتهم. ولكن الأمر يدعو إلى الحيرة، ما داموا -هم أو من خلَفَهم مِن بعدهم- لم يعيدوا النظر في اختياراتهم إلى الآن…

       بقي أن نعلم أن العمل الحزبي، بحسب ما تعرفه الأحزاب السياسية، هو مخالف لمبادئ الإسلام على طول الخط. ذلك لأن الأحزاب تستغل ضعف النفوس الطبيعي، لتصل إلى ما تريده من أوطار دنيوية. وكم من مآس، تحصل بعد استعمال الناس فيما لا يُرضي الله!.. ولا من يأبه!.. لقد وصل الأمر في الصراع الحزبي مرات عديدة، إلى أن يقتل المسلم أخاه؛ وكأن الحزب صار دينا أقوى من الدين!..

       إن العمل الحزبي قائم في أصله على الترشُّح، وهو طلب صريح للتولية. مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نهى عن طلب الولاية. فأين فقهاء الزمان، ليدلّوا الساسة على أحكام الشريعة في السياسة؟.. أم هم قد قبضوا ثمن سكوتهم؟ وأحيانا موافقتهم؟.. عن عبد الرحمن بن سمُرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا؛ وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا.»[1]. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي؛ فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ. فَقَالَ: «إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ.»[2]. فأين العمل بهذا الأصل، إن كنا حقا مسلمين؟!.. أنخالف التوجيهات النبوية، ونرجو الفلاح؟!.. أي منطق هذا؟!..

       يظهر مما سبق، أن المناصب (الولايات) لا تُنال في الإسلام عن طريق الترشح الذي هو من قبيل تزكية النفس، التي نهى الله عنها في قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]؛ وإنما تُسند من قِبل السلطان عن طريق الشورى، التي يُرشح الناس فيها من يرونه أهلا لحمل الأمانة وأداء حقها. وإنه لطريق واضح، مضمون النتائج بإذن الله، موافق للقرآن والسنة، لو أن قومنا كانوا يفقهون!..

       أما المنكرات التي تُرتكب أثناء الحملات الانتخابية -والتي تعود بالناس إلى الجاهلية الجهلاء؛ بل إلى البهيمية الرعناء؛ حيث يُتفاخر بالأنساب (السياسية)، ويُبالغ في تحقير الخصوم من غير مراعاة حرمة؛ مع أن الله قد نهى عن كل ذلك، وعن أقل منه- فلا يخفى أثرها على المجتمع، وهي التي تعمل على التفريق بين أفراد الأسرة الواحدة أحيانا. يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]. ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[3]؛ ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَاهُنَا، (وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ.»[4]. وأي هذه الموبقات، لا يرتكبها المتحزبون، أيام الانتخابات؟!..

       والآن، أين نحن من ديننا في تدبير شؤوننا السياسية؟.. ما هذا الانهزام أمام الإغواءات الشيطانية؟!.. وإن نحن أقررنا بمرض نفوس المتحزبين، فلماذا يتبعهم معظم الشعب في مخالفاتهم؟..

       لا يمكن أن نتطلع إلى يوم تشرق فيه شمس العزة علينا، ونحن بهذا الإدبار عن الحق، موالين للباطل وأهله. إنِ استمررنا على ما نحن عليه من معاكسة أصول ديننا، فلا يحق لنا بعدُ أن نشكو حالنا ولا أن نندب حظنا؛ لأننا نحن من نختار الهوان والذلة والحقار، في كل مرة. وللمغاربة مثل دارج معروف، نورده معرّبا بالمعنى، يقول: “لا يحق لمن ضربته يده أن يبكي”!…


(يُتبع…) 

[1] . متفق عليه، من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه.

[2] . متفق عليه، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

[3] . متفق عليه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[4] . أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.      

 

 

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: