رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -19- الميزان المكسور

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -19-  الميزان المكسور

الشيخ عبد الغني العمري

       الميزان في المجتمعات، هو العدالة التي تحفظ الحقوق، وتعاقب من يتجاوز الحدود؛ وتأخذ الحق للمظلوم من الظالم. وعندما تتعطل العدالة، فإن الناس يدخلون في الفوضى، حيث يسود “قانون” بديل، يأكل فيه القوي الضعيف، وتُمتهن كرامة الإنسان، إلى الحد الذي يُصبح معه مجرد سلعة تُباع وتُشترى. وفقْد ميزان العدل في المعاملات، يؤدي حتما إلى فقده في المعقولات، فتختلط الأحكام، ليختلط الحق بالباطل، إلى أن يعمّ العَمَه، كما هي الحال اليوم.

       والشرائع لما نزلت من عند الله، جاءت لتضع الميزان بين يدي الإنسان، ليرتفع به من حضيض الحيوانية، إلى مرتبته الأصلية. يقول الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ • أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ • وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 – 9]. والميزان، عقلي في عالم الأحكام العقلية، وشرعي في عالم الأحكام الشرعية، وكوني في عالم المادة والتقدير. والطغيان في الميزان، يكون من جهة الوازن؛ وإخساره يكون من جهة الموزون له، مع أن فعل الوزن واحد. وهذا يعني أن عملية الوزن إن اختلت، تُعتبر معصيتين: الواحدة في حق الوازن (النفس في الغالب)، والثانية في حق الموزون له. وهو يعني أيضا أن الظلم يقع على الظالم كما يقع على المظلوم، والناس لا يشعرون. ومن هذا الباب قول الله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9]. أي إن شطرا من ظلم الناس لأنفسهم، هو من ظلمهم لغيرهم.

       والظلم كما يتبادر إلى الذهن، هو من أثر الهوى، الذي يطغى على العقل، ليخرجه عن الاعتدال. والنفس الأمارة بالسوء، تريد أن تستحوذ على ما ليس لها، فتنتهج الطغيان في الوزن، بجميع المعاني. وقد نهى الله عن عدم العدل في الوزن أيضا، وتوعد أصحابه، في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ • الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ • وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1 – 3]. والتطفيف هو الوزن بمكيالين (حسا ومعنى)؛ فإذا استوزن المرء لنفسه طالب بالوفاء والتمام، وإذا وزن لغيره أخسر وتماطل؛ وهذا يقع في الأحكام العقلية كثيرا. ويظهر ذلك في التوسيع على النفس في الأحكام، والتضييق على الغير في المقابل. كمن يعُدّ أدنى انحراف عن وصف الحقيقة من غيره كذبا، ويعُد كذب نفسه تعبيرا صحيحا، له أسبابه الراجحة.

       والعدل الذي هو في مقابل الظلم، اعتاد الناس أن يُطالبوا به غيرهم، دون أنفسهم؛ وهذا أيضا من الظلم والتطفيف. والمجتمع الذي لا يقيم الناس فيه الوزن بالعدل بدءا من أنفسهم، هو مجتمع لا يستحق أن يُبسط فيه العدل العام؛ لأن الحال من الحال. وهذا هو سبب انتشار الظلم في زماننا؛ حتى لكأن القضاء غير موجود، ولكأن القانون نفسه غير موجود. أما تطبيق القوانين على المستضعفين وحدهم، دون ذوي النفوذ، فهو أيضا من الظلم المنهي عنه، لا من العدل؛ لأن العدل إما أن يكون عاما، وإما أن لا يكون. جاء في الحديث النبوي الشريف: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ؛ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.»[1]. هذا الحديث يفهم منه مطموسو البصائر مساواة أمّنا فاطمة عليها السلام، بسواها من الناس؛ بينما هو جاء في معرض التشديد على إقامة العدل. فتركوا ما يعنيهم، واشتغلوا بما فوق علمهم؛ سبحان من شغل من شاء بما شاء!.. ولنعد إلى ما كنا بصدده.. إن هذا الظلم الانتقائي، الذي يبدو في ظاهره وكأنه شطر العدل؛ يقع عندما ينقسم المجتمع إلى طبقات؛ بعضها للأسياد، وبعضها للعبيد. ولا يُغيّر من حقيقته شيئا، أن لا يُسمّى العبيد عبيدا، كما هو الشأن في زماننا؛ لأن العبرة بالصورة والحكم، لا بالاسم.

       وإذا عدنا إلى مجتمعنا نستخبره، فإننا سنجد أول ظلم وقعنا فيه، هو استبدال حكم الأهواء، بحكم الله. وقد جاء في مثل هذا، قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]؛ وقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ • أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49، 50]. فما أصابنا، هو استبدال الأحكام الجاهلية (الوضعية)، بحكم الله، الذي كان من نتائجه (الاستبدال)، أن جعلت الجريمة تنتشر ولا تنحسر. فإن السارق -مثلا- الذي يُحكم عليه بالسجن مدة شهر أو شهرين، لا بد أن يعود إلى فعلته مرة أخرى، حتى يصير لها من المتقنين. وهكذا، بالنظر إلى كل صنوف الإجرام. وهذا يجرنا إلى الكلام عن نظام القضاء كله، بحسب ما يسمح به المقام، نتبيّن مواطن الخلل فيه:

  1. القانون من أصله، ليس شرعيا، إلا في بعض ما يتعلق بأحوال الأسرة.
  2. القاضي نفسه ليس شرعيا، يفقه حكم الله ويحكم به؛ وإنما هو يحكم بحكم هوى واضع القانون. وهذا وحده يجعلنا نخجل من فعلتنا. فنحن كما قال الله عن بني إسرائيل: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا} [البقرة: 61]. ويكفينا أن ما نحن عليه، هو ردّ لحكم الله، وإيثار لحكم الجاهلية عليه.
  3. نظام المحاماة، يجعل صاحب المال يوكل أكبر المحامين للإفلات من العقاب، أو للتخفيف منه. وهذا يجعل القضاء تمييزيا (بالمعنى اللغوي)، لا يستوي أمامه العباد (المواطنون)، في الفرص. وهذا سيؤول إلى مثل ما ذكرناه من العدالة الانتقائية، التي مررنا بها آنفا.

       يتضح مما سبق، أن نظام القضاء المعروف اليوم، لا يُقصد من ورائه إقامة العدل؛ بل تقوية طبقة الأسياد وتغليبها على طبقة العبيد، الذين لا بد أن يبقوا عبيدا إلى الأبد. وكل ما يظهر مما هو عدل جزئي، يعطي بعض الحقوق لأصحابها، أو يقتص من بعض الظالمين أحيانا، فإنما هو لسببين:

  1. للتعمية على الحقيقة التي ذكرناها، من كون القضاء يخدم طبقة دون طبقة؛ حتى يبقى الناس في غفلة عما يجري.
  2. يُحكم بالعدل (بالمعنى الوضعي)، استثناء، عندما لا تكون الطبقة العليا ستتضرر منه؛ أو عندما يزيد في صدقيتها، في الأوقات التي تخاف فيها من انفضاح الأمر؛ وهذا يصب في مصلحتها على المدى البعيد. وما يؤكد ما نذكره هنا، هو أن المحكوم عليهم من طبقة الأسياد، إما أن يُخفف عنهم الحكم لاحقا، أو أن يُعفى عنهم لسبب من الأسباب، أو في مناسبة من المناسبات؛ أو يكون الحكم صوريا من البداية، لا ينالهم منه شيء. والناس مأخوذون عن رؤية ما يجري، كأنهم منوّمون!..

       ولو عدنا إلى القضاء في الإسلام، فإننا سنجده يقوم على مبادئ، لا بد منها:

  1. سرعة القضاء وسرعة إنفاذ الحكم: لأنه لا معنى لحكم يبقى صاحبه عشرات السنين في السجن، أو في ردهات المحاكم ينتظر البت النهائي فيه.
  2. إقامة الحدود (وهو حق الله): يقول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]. ويقول سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2]. ويقول سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33]. وهذه الجنايات، إن ثبتت، ينبغي إقامة الحد فيها على الفور، ليرتدع الناس عنها بما يرون من ذلك.
  3. إشهار العقوبة في الحدود: كأن تبث مباشرة (بين الحين والآخر) على أجهزة التلفاز اليوم؛ عملا بقول الله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]. فالناس إن لم يروا العدل بأعينهم، فإن معناه لا يستقر عندهم. في هذا المعنى يقول المخرج السينمائي، والكاتب الفرنسي: ميشال أوديار: “العدالة كالسيدة العذراء، إن لم نرها مرة بعد مرة، فإن الشك سيستقر في النفوس بخصوصها”. أما من يقول إن إشهار تنفيذ العقوبات الحدية، هو من الهمجية، فإننا نقول له: إنما يقول هذا، الدجاليون؛ ليصرفوا الناس عن الحق بقولهم، ويسهل عليهم التحكم فيهم.
  4. تحقيق القصاص (وهو حق العباد): وهو من معاني العدل؛ وكل قضاء لا قصاص فيه، فهو جائر. يقول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]. ومعنى كون القصاص حياة، هو أن الحياة تُحفظ به عند ردعه للمجرمين عن الوقوع في الجريمة، من جهة؛ ومن جهة أخرى، هو حياة للمجتمع، عند انتفاء الجريمة منه، أو عند انحسارها فيه. ونحن نرى اليوم، كيف أن الجريمة أصبحت تتسع، حتى صارت كأنها الأصل؛ وكل ذلك بسبب ترك القصاص. ويفصل الله في القصاص فيقول سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: 178]. وهذا بالنظر إلى منزلة من وقع عليه العدوان، ومنزلة من يقع عليه القصاص. ثم يقول سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]. وهذا، بالنظر إلى الجُرم نفسه، وإلى محله من جسم الإنسان. ولو عُمل بقضاء القصاص في مجتمعاتنا، فإن الجريمة ستتقلص إلى حد لا يُتصوّر. كل هذا، يجلي مكانة الإنسان عند الله، إلى الدرجة التي لا يقبل الاعتداء عليه معها، بأقل ما يكون. ومن هذا الباب قول القائل: “الإنسان بناء الله، ملعون من هدمه”.
  5. إلغاء السجون: عندما يُعمل بأحكام الشريعة في مجال القضاء، فإنه لا حاجة إلى السجون في المجتمع إذ ذاك. فعندما تكون المحاكمة سريعة، ويكون العقاب نافذا كما أمر الله، فإما أن يكون المرء بريئا، فيُخلى سبيله؛ أو يُقتل، فيدفن؛ أو يُقتص منه، فيما دون القتل، فيعود إلى بيته. ولهذا السبب، لم يتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محبسا يحبس الناس فيه، ولم يتخذه بعده الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم. ورغم أن المؤرخين يقولون بأن عمر رضي الله عنه، كان أول من أقام سجنا في الإسلام؛ إلا أن مدلوله، لم يكن كما هو اليوم؛ وإنما جُعل ليُحبس الناس فيه، في انتظار أن يُقضى فيهم بحكم الله فحسب. نعني أن السجن ليس من العقوبات الشرعية الأصلية، وإن توسع الفقهاء في إمكان جعله عقوبة تعزيرية. من هنا يمكن أن نقول إن الحبس المفهوم من الشرع، ليس هو المؤسسات السجنية المعلومة اليوم، وإنما هو نظير أماكن الحجز التي تكون في مخافر الأمن، فحسب.

       وفي مسألة السَّجن لطيفة، من جهة جعله عذابا للإنسان؛ لأنه في الحقيقة عذاب نفسي وعصبي، وليس قصاصا ولا حدا؛ حتى يُعتبر الحكم به من العدل. والتعذيب بما لم يشرعه الله، هو ظلم وفسوق؛ وهو إن كان بما اختصّ الله به نفسه، فإنه زيادة على ما فيه من الظلم المعهود، يدخل بصاحبه في التربُّب المذموم. ولا شك أن الحبس، هو من العقوبات التي يعاقب بها الله عباده يوم القيامة. وما جهنم في حقيقتها، إلا سجن الآخرة. ويقول الله تعالى، عن محل استقرار النفوس الخبيثة، التي لا تُفتّح لها أبواب السماء، بعد الموت: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ • وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} [المطففين: 7، 8]. وهذا نظير ما جاء في الحديث النبوي الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ، وَقَالَ لَنَا: «إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا.»[2].

       يظهر من كل ما سبق، أن السجن في الإسلام، بالمعنى المعروف اليوم، لم يدخل في المعاملات القضائية، إلا مع الاستبداد، الذي أعقب الخلافة، وبدّل نظامها، إلى ما يشبه ما كانت عليه الأمم الأخرى. ولو رجعنا إلى المسجونين في القرون الأولى، حيث كان العمل بالحدّ والقصاص جاريا، فإننا سنجدهم في غالبيتهم من سجناء الرأي، المخالفين للحكام. والإسلام، لا يعتبر الاختلاف في الرأي جريمة في الأصل؛ وحتى إن كان الرأي فاسقا، فإن صاحبه يُرد بالعلم والحجاج، ولا يُسجن ولا يقتل. والمسألة فيها تفصيل، ليس هذا محله.

       ولو عدنا إلى هذا النظام الإسلامي، عند إلغاء السجون، فإننا سنجد له مكاسب، لا خفاء فيها للمجتمع:

  1. تحقيق العدل: أولا، قد يكون السجن عقوبة أكبر من الذنب. فكم من مخالف للقانون في باب الجُنح يُسجن، فتكون عقوبته أكبر من ذنبه؛ وهذا ظلم. ثانيا، عندما يكون السجن أقل من الذنب، كأن يُسجن القاتل، أو السارق، أو من عليه حد من الحدود؛ وهذا أيضا ظلم.
  2. الحد من الجريمة (إنقاصها): لعلة كون السجون صارت مؤسسات للتخصص في الجرائم المختلفة، وتعليمها. فكم من لص صغير دخل السجن، وخرج من كبار اللصوص؛ وهكذا فيما يتعلق بالجرائم الأخرى. وإن ما نراه اليوم، من ازدياد عدد المجرمين، بين المراهقين خاصة، ليس إلا نتيجة نظامنا السجني.
  3. الميزانية المالية المخصصة لإدارة السجون، تعود إلى الخزينة العامة، وتُنفق في أوجه الخير، بدل أن تُنفق على من لا يجوز حبسه. ولو أُبدلت المؤسسات الخيرية مكان السجون، فإنها ستسد مسدّا عظيما من المجتمع. ويكفي أن نتصوّر أن السجون أصبحت ملجأ للمشردين (فرضا)، لنعرف مدى ضررها الآن من الجهتين: جهة حبس من لا يجوز حبسه، وجهة حرمان من له حق في أموال الدولة من المواطنين.

       أما لماذا لا يُعمل بالقضاء الشرعي في بلادنا، فلأمور منها:

  1. إن نظام الحكم عندنا، أخذ معظم القوانين التي تحكم البلاد من المستعمر. وعلى هذا، فإن قضاءنا لا يزال تحت الاحتلال الأجنبي، وإن قيل فيه ما قيل. وإن النطق في الحكم بالعربية محل الفرنسية، لا يغير من الأمر شيئا.
  2. إن القائمين على أمورنا، لا يريدون أن يحكموا بالعدل؛ لأن العدل قد يطولهم حكمه في كثير من الأحيان، أو يطول أقاربهم وذويهم. وهم يرون أنهم طبقة ليست كسائر الناس.
  3. إن الدجاليين (شياطين الإنس)، يريدون أن يشيعوا فينا الجرائم والفواحش؛ حتى نضعف، ويصير بأسنا فيما بيننا، عندما يريد كل واحد من المعتدى عليهم، أن يقتص لنفسه بنفسه، من وراء القانون، وباستعمال الحيل. ويصير الانتقام متسلسلا، عندما يروم الثاني رد الصاع صاعين للأول، وهكذا.. وفي هذا المناخ الوبيء، يخلو المجال للدجاليين، ليفعلوا ما يحلو لهم، في غفلة من الناس.
  4. إن الشعب عندنا، لم يستحق بعد أن يُحكم بالشريعة، لأنه لم يرتضِها حقّا (من حيث المجموع)، ولأنه مخالف لأحكام الشريعة فيما يتعلق بسياسة النفوس، بالنظر إلى الأفراد. والشريعة واحدة، لا يُعمل بها في جانب دون جانب؛ وإلا كان هذا هو نفسه، ما نؤاخِذ عليه حكامنا؛ وهو تناقض في القول.

       إن الإذن من الله العليم الحكيم، بتحكيم الشريعة في الناس (من باب الإرادة لا الأمر)، هو من الجزاء لهم، على طاعتهم في أنفسهم، وعلى رغبتهم فيما عنده سبحانه. فمن أراد أن تكون الشريعة الربانية هي السائدة فينا، فليبرهن على ذلك من نفسه، بتحكيمها فيما هو من دائرته. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.»[3]. فالذين يُطالبون الإمام (الأمير)، بتحكيم الشريعة، هل حكّموها هم فيمن هم راعون لهم؟.. فإن كان الجواب بالإيجاب، فيحق لهم الكلام؛ وإلا فلا!.. وليستحيوا من ربهم، أن يقولوا ما لا يفعلون. فقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ • كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]. ومن كان ممقوتا (ولو جزئيا)، فلا يطمع في جنة حكم الشريعة العاجلة!..

(يُتبع…)

[1] . متفق عليه من حديث عائشة عليها السلام.

[2] . أخرجه البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] . متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

...

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: