رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
أخر الاخبار

منظومتنا التربوية في متاهات التيه…

منظومتنا التربوية في متاهات التيه…

?????????????

ذ . الحسن أوصغير *

   إن الباحث المتتبع لمختف الإصلاحات التي خضعت لها  منظومتنا التربوية منذ فجر الاستقلال إلى يومنا هذا تصيبه الدهشة وينتابه الاستغراب مما يرى ويشاهد من مخلفات وتداعيات سجل الاصلاحات المتتالية. ففي شهر نونبر المقبل سيكون المغرب قد أكمل عامه الستين من الاستقلال عن المستعمر الفرنسي. والمفروض هو أن تكون حكوماته المتعاقبة على إدارة شأن البلاد والعباد قد بنت على الأقل جيلين رائدين يقودان المغرب نحو مستقبل آمن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وهذا لن يتأتى إلا في أحضان مدرسة وطنية متماسكة البنيان وذات هوية وأصول منتمية إلى المغرب العريق الضاربة جذوره في أعماق التاريخ.

  لكن ـ مع الأسف الشديد ـ العكس هو الذي أفصح عنه واقع حصيلة تعليمنا اليوم. فقد صرنا الآن نجني تمرات مرة وغلات مرة وبئيسة لما يمكن تسميته بـ ” حصاد الهشيم ” كما يقال، وذلك بفعل التعثرات والإخفاقات وعدم الاستقرار للسياسات المتبعة في تدبير منظومتنا التربوية التعليمية، بل وعدم وضوح في الرؤية المستقبلية لآفاق هذه المنظومة إلى حد الساعة رغم اعتماد رؤية إصلاحية جديدة  ” رؤية الإصلاح الجديدة 2015 ـ 2030 “.

   لن أتحدث في هذا المقال عن مجالات الإخفاق الكثيرة وأوجه النجاح القليلة في منظومتنا التربوية والتعليمية بتتبعها وتقصي الحقيقة فيها. فليس هذا أوانه بالنسبة إلي، هذا سأتركه لبحث قادم متى تيسرت لي ظروف ذلك بإذن الله لتفصيل القول فيه. إنما الذي يهمني الآن ـ وفي عجل ـ ما أثير من حديث وجدل في الآونة الأخيرة حول منهاج وبرامج وكتب مادة التربة الإسلامية. فقد استغربت بحق كل هذا الاستهداف لمادة من المواد المدرسة في مؤسساتنا التعليمية، حتى خيل إلي أن أزمة تعليمنا آتية من مادة التربية الإسلامية (اسمها : تربية إسلامية / تربية دينية ـ منهاجها الدراسي ـ مضامين مقرراتها وكتبها المدرسية…) بينما باقي المواد المدرسة بخير وعافية وليس فيها نقص أوعيب..، وللإشارة فبعض المراسلات الرسمية بدأت عن تسرع تسميتها بـ “التربية الدينية” قبل الحسم النهائي حتى في الاسم (التربية الإسلامية).

  إن الغريب في الأمر ليس مراجعة المناهج الدراسية لكل المواد الدراسية بمدرستنا، فهذا مطلوب وضروري بعد كل مرحلة زمنية من العمل بها، لكن المثير للغرابة هو البدء وبهذه السرعة المشبوهة لمراجعة كتبها دفعة واحدة في كل المراحل والأسلاك التعليمية وكأن ” فيروسا سرطانيا” دخل إلى برامج هذه المادة فخربها كلها من الداخل من دون بقية المواد، علما بأن الكتب المدرسية لمستويات السلك الإعدادي الثلاثة ومستوى الجذع المشترك التأهيلي قد تمت مراجعتها منذ سنوات قليلة فقط. فهل يصدق علينا قوله تعالى:” ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا…” 92 / النحل.

 إن هذا اللغط الكبير الذي أثير حول مادة التربية الإسلامية يصدق عليه المثل العربي القائل : ” تمخض الجبل فولد فأرا”.   نعم هذا بالضبط ما يعنيه صدور مراسلتي مديرية المناهج : المراسلة الأولى عدد 16/ 123 بتاريخ 28 يونيو 2016، حول لائحة الكتب المدرسية المراجعة لمادة التربية الإسلامية ومعها لائحة جميع الكتب المدرسية للمادة ولجميع المستويات التعليمية من الثاني ابتدائي إلى الثانية من سلك البكالوريا، وعددها 29 كتابا) والتي هي قيد المراجعة وسوف تكون جاهزة في بداية الموسم الدراسي 2016/2017. أما المراسلة الثانية فهي تحت عدد 16/225 بتاريخ 28 يوليوز 2016، وهي مؤسسة على “التوجيهات الملكية للسيدين وزير التربية الوطنية والتكوين المهني ووزير الأوقاف خلال مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 6 فبراير 2016 بمدينة العيون قصد القيام بمراجعة مناهج وبرامج مقررات التربية الإسلامية في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية” كما ورد في المراسلة.  وكلتا المراسلتين تحملان توقيع مدير المناهج، مفوضا من طرف وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، وموجهتان إلى المديرات الإقليميات والمديرين الإقليميين للوزارة حول التغيير الجديد في الكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية في جميع المستويات التعليمية ( ابتدائي ـ إعدادي ـ تأهيلي ).

  هذا عن المراسلتين الصادرتين عن مديرية المناهج من حيث المصدر والوجهة ووقت صدورهما ومضمونهما ؟ وسأترك الآن الحديث عن مادة التربية الإسلامية، وعن برامجها وكتبها المدرسية، ما لها وما عليها، وأتجنب الكلام عن وضعية المادة ضمن مجموعة المواد الدراسية بمنظومتنا التربوية الوطنية، من أجل إبداء ملاحظات أولية حول هاتين المراسلتين وما يتعلق بها من قضايا :

   * الملاحظة الأولى : كما أسلفت الذكر، صدرت المراسلتان عدد 16/123 وعدد 16/225 رسميا في نسختيهما الورقية الرسمية تباعا بتاريخ 28 يونيو 2016 و 28 يوليوز 2016، وتم إرسالها عبر الفاكس إلى المديريات الإقليمية للوزارة . والفارق بينهما هو أن الأولى مرت عبر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين سوس ماسة، والثانية تم إرسالها مباشرة بالفاكس من الوزارة إلى المديريات الإقليمية للوزارة . وقد توصلت بنسخة منها عن طريق المديرية الإقليمية التي أعمل بها مساء الجمعة 29 يوليوز 2016 ، بعد أن كان موضوعها مثار حديث هاتفي بيني وبين أحد الزملاء في العمل.(طبعا موضوع الحديث بيننا كان هو البرامج الجديدة للمادة بصفة عامة وضمنها الكتب المدرسية). والمراسلتان معا تحملان توقيع مدير المناهج مفوضا من طرف السيد الوزير. ونحن هنا لا نناقش من الناحية القانونية أمر التفويض. فهو ما جرت به الأعراف الإدارية في إطار تراتب المسؤوليات.

 

  * الملاحظة الثانية : حملت كلتا المراسلتين التاريخ الميلادي فقط دون ذكر للتاريخ الهجري مع العلم أنه قانونيا وفي جميع المراسلات الرسمية والمذكرات والمراسيم والقوانين والظهائر الشريفة ينبغي تصديرها بالتاريخين الهجري والميلادي حفاظا على هوية المملكة وتاريخها العريق، خاصة وأننا هنا بصدد مذكرة وزارية تتعلق بمادة التربية الإسلامية. ولست أدري أين غاب التاريخ الهجري عن مديرية المناهج؟.

  * الملاحظة الثالثة : لا تحمل المراسلتان أية مرجعية لهما كما جرت العادة، بل أشارت مباشرة إلى الموضوع، ثم شرعت في الصياغة المعهودة في مثل هذه المراسلات في بيان المضمون المراد تبليغه للمرسل إليهم، مع الإشارة في ثنايا المراسلة الثانية إلى الخطاب الملكي في زيارته التاريخية لمدينة العيون بتاريخ  6 فبراير 2016 . ونحن نعلم جيدا أنه من الناحية القانونية خطب جلالة الملك ومختلف توجيهاته تعتبر مرجعية قانونية تؤسس عليها مختلف القوانين الأخرى. فلماذا لم تشر المراسلتان في مرجعيتيها إلى هذا الخطاب الملكي السامي بعد ذكر الموضوع مباشرة، إن لم تجد أية مرجعية أخرى، مع الجدير بالذكر أن المراسلة الأولى عدد 16/123 يمكن اعتبارها مرجعية للمراسلة الثانية عدد 16/225، والتي جاءت بعدها فقد بعد حوالي أربعة أسابيع .

  * الملاحظة الرابعة: مضمون المراسلتين معا موجه للمديرات والمديرين الإقليميين من أجل إخبار رؤساء المؤسسات التعليمية التابعة لمديرياتهم بالأسلاك الثلاثة، بعدم برمجة أية مقتنيات للكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية الحالية، لأنها سيطالها التغيير. فالكتب الجديدة المنتظر طبعها هي التي سوف تعتمد ابتداء من الموسم الدراسي 2016/ 2017.ولم تشر المراسلتان ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ إلى المناهج والبرامج الجديدة ولا إلى توجيهاتها، اللهم إذا كانت التوجيهات القديمة تبقى سارية المفعول ولن يتم تغييرها، وهذا ـ في تقديري الشخصي على الأقل ـ لا يستقيم، فالمنهاج التربوي لأي مادة كل متكامل لا يتجزأ (التوجيهات ـ المقرر ـ الكتاب المدرسي ـ الأطر المرجعية). والمنطق مراجعته بالكامل ودفعة واحدة.

مناقشة لحيثيات صدور هذه المذكرة

     والآن يمكن لي أن أستعرض بتجرد وبهدوء بعضا من الإشارات حول صدور هاتين المراسلتين من مديرية المناهج الخاصتين بالكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية، دون صدور أية مراسلات أخرى ـ كما في علمي ـ تتناول الكتب المدرسية لبقية المواد الدراسية. وهنا يمكن لأي مهتم بالشأن التربوي والتعليمي ببلادنا ـ ولو لم يكن متخصصا أوذا دراية بالموضوع ـ أن يطرح على نفسه السؤال العريض التالي :

                       لماذا بالضبط مادة التربية الإسلامية دون غيرها من المواد الأخرى ؟.

       وللإجابة عن هذا السؤال الكبير، يمكن أن نتطرق إلى جملة من الحقائق منها :

*الحقيقة 1 : جميع المواد الدراسية بلا استثناء في حاجة إلى مراجعة مناهجها وبرامج مقرراتها وكتبها المدرسية. فلا أحد منا يجادل في هذا الأمر. فالإصلاح والمراجعة بعد تقييم ودراسة وتشخيص لها، شيء مطلوب منطقيا .

*الحقيقة 2: المدرسة المغربية في أسلاكها ومستوياتها المختلفة سيرورة متدرجة في اكتساب التعلمات الأساسية وتحصيل المعرفة لدى الأجيال، والتمكن من مهارات التكوين، والنهل من مبادئ وقيم التربية على الهوية والمواطنة. فبناء مناهج المدرسة الابتدائية يجب أن يسبقه تمتين وتدقيق لبرامج التعليم الأولي. وإعداد برامج السلك الإعدادي يكون انطلاقا من مناهج الابتدائي، كما لا يمكن تصور بناء المناج الدراسية للثانوي التأهيلي إلا على أساس ما تم إرساؤه من مناهج الإعدادي والابتدائي. فكل بناء للمناهج وإعداد للبرامج وتأليف للكتب المدرسية يخالف هذه القاعدة هو عبث وضياع للوقت وهدر للجهد والإمكانيات، وسيؤول حتما إلى الفشل الذريع كما هو حاصل الآن في منظومتنا التربوية برمتها الآن. فهل سنعيد نفس الأخطاء السابقة بهذا الاستعجال والارتجال؟؟.

*الحقيقة 3 : إعادة النظر في إصلاح وبناء مناهجنا الدراسية ينبغي لزوما أن يراعي ويستحضر التكامل والتناسق والانسجام بين المواد الدراسية المختلفة في منظومتنا التربوية التعليمية، فليست المنظومات التربوية عبارة عن “بلوكات” بحي من الأحياء السكنية لا روابط ولا جسور بينها. فإن خالف هذا البناء الجديد هذه المسلمة المنطقية وعزل بناء منهاج كل مادة على حدة بعيدا عن المواد الأخرى فقد تنكب الطريق الصحيح، وبالتالي فهو ناقص وآيل إلى الخسران ولو بعد حين. وعليه فإن المراجعة لمناهج ومقررات وكتب المواد الدراسية في كل المستويات الدراسية لابد أن يسبقه تقييم وتشخيص حقيقيان يقوم بهما ذوو الخبرة من المعنيين بتنزيل وتصريف البرامج الحالية أي العاملون في ميدان المؤسسات التعليمية العارفون بحقيقة الواقع والحاجيات الملحة للتلميذ المغربي، وليس فقط الجالسون في مكاتب وقاعات المديريات المركزية بالرباط أو من يؤتى بهم من هنا وهناك لتكليفهم بهذه المهمات الصعبة. ونحن هنا لا نقول بإقصاء هؤلاء وإبعادهم من الأمر، بل لهم الإشراف وللخبراء والممارسين الفعليين ميدانيا الإعداد والإنجاز، وبالتالي تتكامل الأدوار. فالبعيدون عن الميدان تغيب عنهم كثير من معطيات الواقع بالمدرسة المغربية التي يخططون لها من أعلى انطلاقا فقط من نظرياتهم القديمة أو الجديدة. وكل فعل من هذا القبيل يسيء إلى أية مراجعة جديدة لهذه البرامج والمقررات الدراسية.

*الحقيقة 4 : استحضار الحقائق العلمية الضرورية الثابتة والأسس المنطقية لبناء أي منهاج دراسي شامل ومتكامل الأركان والمواصفات يستلزم حتميا الأخذ بعين الاعتبار لمنطلقات هوية الأمة وثقافتها وثوابت مرجعياتها، دون نسيان لمعطيات العصر الحديث وتقنياته التي لا محيص عنها لضمان نجاح أي منهاج دراسي يروم بناء شخصية الإنسان المعاصر. فغياب هذه البديهيات في أذهان من يتولون مراجعة أي منهاج أو برنامج أو كتاب مدرسي سيؤدي لا محالة إلى إعادة إنتاج الأخطاء والاختلالات والثغرات الموجودة حاليا في مناهجنا وكتبنا المدرسية بشكل آخر قد يكون أقبح وأفظع، وبالتالي سيلقى نفس مصير البرامج والمقررات والكتب التي بين أيدينا اليوم.

*الحقيقة 5 : إن الذين يستعجلون استصدار الكتب المدرسية الجديدة في مادة التربية الإسلامية، بهذه الطريقة المتسرعة غير المتأنية بمبررات ومسوغات مختلفة، ويظنون أنهم سيعالجون بها أزمة التربية والتعليم ببلادنا، واهمون كل الوهم وليس لديهم أي بعد نظر في قراءة مآلات الأحداث والمستجدات التي يعج بها عالم اليوم. وأظن أنهم سيجنون على الأجيال القادمة أكثر مما سينقذونها من براثن الانحراف والزيغ والضلال، ويتحملون مسؤوليتها أمام الله وأمام التاريخ.

   وفي تجربتي المتواضعة (37 سنة من تدريس وتأطير المادة)، لدي قناعة أن المشكلة الحقيقية ليست في الكتاب المدرسي لمادة التربية الإسلامية، ولا في برامجها ومقرراتها، رغم ما يعتريها من قصور طبيعي، مثلها مثل باقي المواد. فالقضية أكبر وأعمق من هذا كله. ولن نحل معضلات التربية ببلادنا بتغيير سورة قرآنية والإتيان بسورة أخرى مكانها، ولا بإزالة آية من آيات الذكر الحكيم ووضع أخرى بدلا منها، ولا بالتصرف في محاور ومفاهيم ومصطلحات وعناوين تتعلق بالعقيدة والعبادة أو الفقه والمعاملات أو الأخلاق والسلوك… ليس الإشكال في هذا كله مما تناولته ملامح التغيير والمراجعة في المنهاج الجديد لمادة التربية الإسلامية (الصادر عن مديرية المناهج). إن الأمر عكسما يظن هؤلاء، فالإسلام وتربيته كل شامل متكامل ومتناسق لا يتجزأ. فهو يراعي كل مراحل حياة الإنسان منذ الولادة حتى الوفاة، بل وقبل الولادة وبعد الممات، وهو أشمل من هذا جميعا، إذ يأخذ في الحسبان كل ما يحيط بالكائن البشري في هذا الكون اللامتناهي، حتى يتناغم هذا المخلوق الآدمي معه ولا يسيء العلاقة معه، لأن الكون أصلا خلقه الله مسخرا لصالح الإنسان …

  ثم قبل هذا كله وبعده، نسأل أنفسنا : كم مساحة تشغلها مقررات دروس مادة التربية الإسلامية ضمن مقررات دروس كافة المواد الدراسية الأخرى في مختلف المستويات والأسلاك التعليمية بمدارسنا العمومية والخصوصية حتى تنال من مديرية المناهج هذا السبق والاهتمام المستغربين، وفي هذه الظرفية بالذات…؟ وماذا عن التعليم الأصيل ؟ وماذا عن التعليم العتيق أيضا …؟  فكل من يظن أن الإسلام والبرامج الحقيقية المتفرعة عنه هو سبب مباشر أو غير مباشر لمن يفجر نفسه في شوارع أو داخل مؤسسات باريس أو لندن أو غيرهما من عواصم الغرب والشرق وغيرهما، وأنه بتغيير مقرر أو كتاب التربية الإسلامية سوف نضع الوصفة العلاجية النهائية لآفة الإرهاب والقتل المدمرين التي انتشرت كالسرطان في كل بقاع  العالم، مخطئ في التقدير.  فالحقيقة الناصعة ـ التي يتجاهلها الكثير عـمدا أو قصدا ـ هي أن الذي يسبب المآسي والآلام للبشرية اليوم هو الجهل الكبير والمركب بحقائق الدين الإسلامي السمحة جملة وتفصيلا. فما رأينا ولا سمعنا ولا قرأنا قط عن عالم من علماء الإسلام فهم مقاصد الشرع الإلهي في أي عصر من العصور، يقدم على ارتكاب أي جريمة أو فعلة تسيء ولو بالحيوان والجماد، فما بالك بأخيه الإنسان سيد الكائنات في هذه الأرض.

*الحقيقة 6 : أخيرا أقول للقائمين على مديرية المناهج التربوية ببلادنا ومن يحيط بهم: لا تستعجلوا الخطى، ولا تتسرعوا، ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة. فالتوجيهات الملكية السامية المشار التي أوردتموها في المرسلة 16/225 لا ينبغي أن تؤسس عليها هذه العجلة المقيتة، لأنه سوف يكون ما بعدها من أخطاء وتداعيات مؤلما على الأجيال القادمة. إن الخطاب الملكي في أبعاده الكبرى إشارة راقية إلى نفس وروح الدين الإسلامي اللذين يجب أن يسريا في كل برامج تعليمنا. وليس قصده فقط مراجعة وتغيير بالجملة لكتب مادة التربية الإسلامية التي كلها آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة ونصوص وأقوال للعلماء والمفكرين مؤسسة على هدي القرآن والسنة والسيرة النبوية العطرة. طبعا، لست هنا أدعي الكمال والعصمة لهذه البرامج والكتب من حيث المنهج والتأسيس، فهي في حاجة إلى مراجعة وتنقيح بعد كل حين، مثلها مثل سائر برامج وكتب بقية المواد الدراسية، وهذا يكون عن طريق دراسة متأنية لها جميعا. إنما أنا أسجل هنا تخوفي الشديد من تبعات هذا الارتجال والاستعجال في الأمر، خاصة إذا كان الوقت المخصص للمراجعة والتنقيح لا يسمح بتحقيق الجودة للبرامج والكتب المنتظرة من وراء هذه المراجعة والتنقيح. وهذا يتأكد إذا تولى هذا الأمر من هم بعيدون عن واقع معاناة المدرسة المغربية وتلامذتها في الأرياف وهوامش الحواضر مقارنة مع قلة من المؤسسات المحظوظة هنا وهنالك… فتريثوا وتمهلوا ووسعوا الاستشارة والبحث، إن كنتم فعلا ترومون الجودة والنجاعة لمناهجنا الدراسية.

     ختـــاما : إن تغيير أي كتاب مدرسي أو مراجعة وتنقيح أي منهاج أو برنامج دراسي إذا كان لا يوازيه إعداد وتأهيل جيدان للأساتذة والمؤطرين الجدد، وإعادة تكوين وتأهيل الأساتذة والمؤطرين القدامى، وتمكين هؤلاء جميعهم من العدة المعنوية والمادية للقيام بمهامهم التدريسية والتأطيرية، إضافة إلى تأهيل مؤسساتنا التعليمية بالموارد البشرية الضرورية والإمكانيات المناسبة لتنزيل أي منهاج أو برنامج أو كتاب مدرسي تعدونه مستقبلا…، سوف يكون ضربا من الهدر للجهد المادي والمعنوي الذي سينضاف إلى الهدر المدرسي الذي تعاني منه مدارسنا أصلا . وسوف نكون في هذه الحالة كمن يروي بالماء صحراء من الرمال قاحلة لا تنبث شجرا ولا كلأ ، وينتظر منها قطف الغلات والثمار، وأنى له ذلك .

     هذه ملاحظات وآراء وحقائق استقيتها من واقع تجربتي الميدانية. أتمنى أن تجد آذانا صاغية من طرف ذوي القرار بمديرية مناهجنا التربوية . والله ولي التوفيق . 

* ملحوظة : هذه المقالة سوف تليها مقالة أخرى قريبة بعد اطلاعي على كل الكتب والوثائق الجديدة للمادة قريبا إن شاء  الله تعالى …

*مفتش تربوي للتعليم الثانوي التأهيلي .

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة آفاق بريس 2018 ©
%d مدونون معجبون بهذه: